إلى نتنياهو.. لقد استهلكت الحبر!
مهدى مصطفى
على مدى عقود طويلة سكبنا أطنانا من الحبر، ونحن نكتب عن المسألة الصهيونية، فامتلأت المكتبات بالكتب، وتعاقبت الردود، وتزاحمت الأسماء: هرتزل (نمساوى)، جابوتنسكى (روسى)، موسى هيس (ألمانى)، ديفيد بن جوريون (بولندى)، بيجن (بولندى)، حتى انتهى بنا المطاف إلى بنيامين نتنياهو بن بنزيون نتنياهو (البولندى الأصل).
يكاد معظم قادة الحركة الصهيونية الحديثة ينتمون إلى أوروبا الشرقية، روسيا، وبولندا، وأوكرانيا إلى آخره.
كلما اشتدت المقتلة فى الإقليم، طفت أسماؤهم فوق سطح الأخبار، وراح العالم يلهث خلف تصريحاتهم، حتى يخيل إلى المرء أن عقارب الساعة العالمية تنتظر كلمة من نتنياهو قبل أن تواصل الدوران.
قال صديق عميق البصيرة ذات مرة: نحن لا نواجه خمسة عشر مليون إنسان، نحن نواجه امتدادات دينية وفكرية وسياسية وإعلامية، تمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة، فتجعل الحكاية أوسع بكثير من حدود الجغرافيا وعدد النفوس.
كانت ملاحظة دقيقة، فقد واجهنا بالفعل امتدادات مشابهة أيام الحملات الصليبية، ثم أثناء الاندفاع الاستعمارى الأوروبى الذى استمر قرابة قرنين.
ولهذا أكتب هذه السطور باعتبارها مقالى الأخير عن هذه الجماعة.
وأعلن اعتزال الكتابة عنها.
وصلت إلى قناعة بسيطة، بأن هذه الجماعة تتغذى على حضور اسمها فى الوعى العالمى، كما تتغذى على القتل.
اكتب: إسرائيل، فى «جوجل»، فتقفز إلى العنوان الأول، اكتب نتنياهو، فتجد عشرات المحللين يهرولون إلى الشاشات، اكتب الصهيونية، فتدور الطاحونة من جديد، ومع الأيام تولد قناعة ساخرة، ربما أصبح الحبر أحد الموارد الطبيعية التى تعيش عليها هذه الجماعة.
نجحت فى احتلال مساحة واسعة من الذاكرة الإنسانية، وربما جاء هذا الاحتلال أكثر ثباتا من احتلال الأرض نفسها، فكل خبر يبدأ بها، وكل تحليل ينتهى إليها، كأن العالم خلق ليعمل مراسلا دائما فى مكتب أخبارها.
حان الوقت ليفعل التاريخ ما اعتاد أن يفعله مع الإمبراطوريات التى بالغت فى القوة، فيضعها فى فصل من كتاب، ويقلب الصفحة بهدوء، ويمضي، والتاريخ لا يقيم تماثيل دائمة للجبروت، إنما يكتب نهاياته بإيقاع بارد، ثم ينصرف إلى غيره.
هذا الخاطر ملأ رأسى بعد الرسالة الرمزية التى بعث بها بنيامين نتنياهو، الثلاثاء 14 يوليو 2026، عندما اختار مفاعل ديمونا النووى منصة لإطلاق تهديداته بمواصلة الحرب، ولم يكن المكان مجرد خلفية للصورة، وقد تحول إلى جزء من الرسالة نفسها، فما زالت إسرائيل تتمسك بسياسة الغموض النووى، فلا تعلن عن امتلاك السلاح النووى، ولا تنفيه، وتترك لديمونا أن يتحدث بلغته الخاصة، كأنها تقول للعالم: افهموا ما شئتم.
غير أن العالم تغير.
صور الدمار فى غزة، والحروب المتلاحقة فى الإقليم دفعت قطاعات واسعة من الرأى العام العالمى، خصوصا بين الأجيال الجديدة، إلى إعادة النظر فى كثير من المسلمات القديمة.
أما زيارة نتنياهو إلى مفاعل ديمونا، فقد حملت رسالة إلى الإقليم، ورسالة أخرى إلى واشنطن والعواصم الأوروبية، فهو أراد تذكير الجميع بأن مشروعه السياسى يعيش على حافة الصراع الدائم، ويمكن أن يكون شمشون فى لحظة معينة.
وهنا أصل إلى خاتمتى.
وداعا يا نتنياهو.
لن أكتب اسمك بعد اليوم.
لقد استهلكت من حبرنا ما يكفى لطباعة مكتبة كاملة، وأخذت من أعصاب العالم ما يكفى لإقامة متحف عالمى للتوتر، واستوليت على ساعات طويلة من أعمار البشر، حتى خيل إلى كثيرين أن الكرة الأرضية تدور حول جماعتك الفريدة المختارة.
أما أنا، فقد قررت أن أسترد وقتى.
العالم أوسع من هذه الجماعة، والتاريخ أطول من هذه المرحلة، والإنسانية أغنى من أن تبقى أسيرة رواية واحدة، تتكرر منذ أكثر من ثمانين عاما، مع تغيير أسماء الممثلين والإبقاء على نفس السيناريو.
أما الحبر الذى أنسكب، والورق الذى امتلأ، والليالى التى استهلكناها فى مطاردة هذه الحكاية، فقد آن لها أن تستريح، فلتبحثوا عن كاتب آخر يمنحكم الحضور المزيف، أما أنا، فأعلن اعتزالى من هذه المسرحية، وأغادر القاعة قبل أن يبدأ نفس العرض .. للمرة الألف.
2026-07-16