نحو قراءة للحدث الحزين في مناخه: تل الزّعتر، ما لسوريا وما عليها!
سعيد محمد*
الحرب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥ – ١٩٩٠) مأساة شاملة، وموت حزين يُندي جبين الإنسانية كلها لا القوى المشتركة فيها فحسب. وحصار مخيم تل الزعتر في العام ١٩٧٦ كان أحد أوجهها المؤلمة البارزة دون شك، ومثلّ سقوطه – في وقتها – نقطة تحول عسكري وسياسي هامة في مسار الأحداث، لكن المحاولة غير النزيهة لاستدعاء الحدث اليوم معزولاً عن المناخ العام الذي أنتجه هو – عندي – اجتزاء مسيء للعمل التأريخي، وللشهداء و محاولة غير نبيلة لتوظيف المأساة في خدمة الهجوم “الناعم” على الدولة السورية، الذي هو جزء أساسي ومكمل وموازٍ للحرب الأمريكية المستمرة على دمشق منذ ست سنوات
عندما تذكر مأساة مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في لبنان فإنه من السهل تبني سرديّة المنتصرين حينها: رواية الكتائب والقوات اللبنانيّة وحزب الوطنيين الأحرار وحراس الأرز وبقية قوى اليمين اللّبناني (المتحالف وقتها مع اليمين العربي كلّه من السعودية إلى مصر مروراً بالأردن و حتى العراق، حتى لا نذكر المرجعيات الأساسية في تل أبيب وواشنطن – و هذا كله تاريخ موثق) وهي روايةٌ مليئة بالمغالطات و المبالغات والعداوة العنصريّة البغيضة. فالمهزومون والضحايا لا صوت لهم، و المصادر التاريخية حول الفترة الدامية قليلة و شديدة الانحياز بحيث لا يمكن تكوين سردّية بديلة موثقة
الرّوايات العربيّة عن الحدث مليئة بالمغالطات و المبالغات والعداوة العنصريّة البغيضة ومجتزأة وتفتقد لفهم الإطار العام الذي جرت فيه الأحداث. فالمهزومون والضحايا لا صوت لهم، و المصادر التاريخية حول الفترة الدامية قليلة و شديدة الانحياز بحيث لا يمكن تكوين سردّية بديلة
أحاول هنا إعادة تركيب مشهد مأساة تل الزعتر عن طريق وضعه ضمن السّياق الكلي للأحداث، وتجنب السقوط في فخ الاجتزاء و الاقتطاع السائد وحتى دون الدّخول في التفاصيل التقنية للحصار، ومن ثم تقديم قراءة نقدية – سريعة – لدور مزعوم للدولة السورية في تنفيذ الحصار على المخيم
البداية كانت في الساعة الواحدة والنصف فجر يوم ٢٧ أكتوبر ١٩٧٣. شق الضابط المصري عدلي الشريف طريقه عبر خطوط النار في سيناء نحو خيمة كبيرة مزينة بنجمة داود الزرقاء، وصافح اللواء أهارون ياريف – مدير الاستخبارات الإسرائيلية – قائلاً: ” لقد تحاربنا بشجاعة لثلاثة أسابيع، فلنحاول الآن التوصل إلى سلام مشرف”. كانت تلك نقطة الكيلو ١٠١، والتي منها بدأت مرحلة انحسار عربي متسارع في تاريخ المنطقة، وكشفت أوراق كل الأنظمة الوظيفية والدول العميقة و رؤساء العصابات الذين كانوا هبة الإمبريالية للمنطقة، وهي مرحلة و إن استمرت مفاعيلها إلى الآن فإنها انتهت رمزيا في عام ٢٠٠٠ بالانسحاب الإسرائيلي الذليل من جنوب لبنان، وتحولت إلى شكل صراع آخر ليس هذا مكان الحديث عنه
مباحثات الكيلو 101
لم يحضر الأمريكيون محادثات الكيلو ١٠١ بأنفسهم، لكن روح الدكتور هنري كيسنجر – طويل العمر – كانت حاضرة. الإسرائيليون قد امتصوا صدمة هجمات أكتوبر / تشرين الأولى، و حققوا نصراً إستراتيجياً هائلاً على الجيش المصري، فحوصر الجيش الثالث، وأصبحت القاهرة نفسها مهددة بالاجتياح رغم جعجعات أنور السادات بأن “الجيش الثالث ثابت وصامد كالصخر”. بالطبع فإن الإسرائيليين المنتصرين لم يكن لديهم أي دافع لمنح الهدايا المجانية لعدلي الشريف – ربما غير كوب من الشّاي – ولولا إصرار كيسنجر الشخصي على القيادة الإسرائيلية بضرورة فتح ممر إغاثة حيوي للقّوات المحاصرة (وتحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة)، لما أمكن للسادات التظاهر بحصوله على التعادل و أن الأمم المتحدة تسيطر على الأمور. لقد كان ممر الإغاثة هذا ضربة المعلم التي فتحت الطريق لكيسنجر كي يتولى من بعدها التلاعب بالرئيس المؤمن ضمن سياسة الخطوة-خطوة، وعزل مصر نهائياً عن محيطها الإقليمي
انتهت المحادثات وما تلاها من مداولات بتوقيع اتفاقية فك الاشتباك الذي حصل من خلاله الإسرائيليون على كل ما يريدونه تقريباً مقابل انسحاب محدود لخط يقع على بعد ١٥ ميلاً من قناة السويس، مع تحديد دقيق لعدد القوات المصرية المسموح بتواجدها على الضفة الشرقية من القناة. بالطبع كانت الاتفاقية هزيمة شاملة لا تحتاج لكثير تأويل، لكنها كانت بمثابة صفعة شديدة للدولة السوريّة بالذات. فحافظ الأسد كان شريك مصر في الحرب، ودفع جيشه أثماناً باهظة في القتال الشجاع على جبهة الجولان، وهو بسبب سلوك السادات المشبوه اضطر مكرهاً لقبول الوساطة الأمريكية للحصول على فك إشباك خاص به. كان السادات قد سلك طريق التسليم بتهور غير مسبوق، فسارع إلى توقيع اتفاقية سيناء الثانية، وأعلن في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٥ في خطاب له في مجلس الشعب المصري بأنه يتوقع أن السوريين سيلحقون به، وأنه حصل من الرئيس الأمريكي (جيرالد فورد) على تعهد بإشراك الفلسطينيين في أي تسوية ستتم
السادات وعرابه الصهيوني هنري كيسنجر
استشاط السوريون غضباً مما أسموه “اتفاقية الخيانة”، التي كانت بمثابة تسليم ” بتجميد الجبهة المصرية في الوقت الذي بقيت فيه سيناء فعلياً تحت الاحتلال، مع إعطاء إسرائيل الفسحة اللازمة لتركيز مواردها في الجبهات الأخرى”. كان حافظ الأسد قلقاً جداً من تسارع الانهيار الرسمي المصري لأسباب إستراتيجية مفهومة، وهو أراد مواجهة اندفاعة السادات التهريجية لتولي وكالة النفوذ الأمريكي في العالم العربي، وهو من أجل ذلك ارتأى أن تستجيب سوريا له عن طريق توثيق نفوذها الإقليمي في سورية الكبرى. هذا كان ما دفع الرئيس الأسد إلى فتح الباب للملك حسين مرة أخرى، بعدما كاد البلدان أن يخوضا حرباً قبل خمسة سنوات فقط، وأيضاً إلى وضع لبنان والمقاومة الفلسطينية تحت جناحه. كان ذلك يشكل خطراً بشكل مباشر على إسرائيل، لكن الذي تولى مواجهة طموحات حافظ الأسد الإقليمية هذه كان السادات، الذي أطلق ما أسماه بسياسة “تحجيم” لمناوئيه في المنطقة العربية، أي بمعنى آخر الرئيس الأسد
أراد الأسد مواجهة اندفاعة السادات التهريجية لتولي وكالة النفوذ الأمريكي في العالم العربي، وهو من أجل ذلك ارتأى أن تستجيب سوريا له عن طريق توثيق نفوذها الإقليمي في سورية الكبرى
هذا الصّراع الإقليمي بين جناحي (الأمّة العربية) انفجر بأعنف ما يكون على شكل حرب أهليّة لبنانية. لبنان الذي منذ اقتطعه الفرنسيون من سوريا في ١٩٢٠ و أقاموا فيه دولة على شكل تحالف لزعماء العصابات، كان خاصرة رخوة لسوريا، و يمتلك من تاريخ الصراعات المحليّة بين طوائفه التي التحق بها الفلسطينيون (عسكريون و مدنيون) وأيضاً من صراعات سياسية موضعية ما يؤهله لاشتعال سريع. وهكذا حملت الميلشيات اليمينية اللبنانية السلاح ضد الفلسطينيين و حلفائهم من اللبنانيين في حرب بدأت على نطاقات محدودة، لكنها ما لبثت أن انفجرت على نطاق واسع بعد اتفاقية سيناء الثانية. لا تحدث الحروب الأهلية بالصدفة طبعاً، فقد روى روجر موريس – و هو كان وقتها مساعداً لكيسنجر – كيف كان سيده يقوم بأعاجيبه الديبلوماسية في الشرق الأوسط فيما المخابرات المركزية الأمريكية تدعم اليمين اللبناني بصورة سريّة أدت إلى استنزاف مرعب لمنظمة التحرير الفلسطينية أخرجها فعلياً من إمكان تهديد إسرائيل بأي شكل، “و هو أمر كان يتم من وراء الكونغرس ولجان الإشراف على السلطة التنفيذية” وفق ما يذكر موريس، الذي لم يؤكد فيما إذا كان كيسنجر نفسه مطلعاً على نشاط هذا الجزء من الاستخبارات الأمريكية أم لا
لا تحدث الحروب الأهلية بالصدفة طبعاً، فقد روى روجر موريس – و هو كان وقتها مساعداً لكيسنجر – كيف كان سيده يقوم بأعاجيبه الديبلوماسية في الشرق الأوسط فيما المخابرات المركزية الأمريكية تدعم اليمين اللبناني بصورة سريّة أدت إلى استنزاف مرعب لمنظمة التحرير الفلسطينية أخرجها فعلياً من إمكان تهديد إسرائيل بأي شكل، “و هو أمر كان يتم من وراء الكونغرس ولجان الإشراف على السلطة التنفيذية”
وينقل ديفيد هيرست عن مصدر سوري قوله حينها “أن اتفاقية فك الاشتباك في سيناء، بدأت تكشف ثمارها في شوارع بيروت”. السادات عندئذ كان مستعداً للوقوف حتى مع الشيطان نفسه ضد حافظ الأسد، وهكذا عندما كان السوريون وضعوا ثقلهم في بداية الحرب وراء الفلسطينيين و قوى اليسار اللبناني، قام السادات بدعم اليمين اللبناني.
إستراتيجية حافظ الأسد لبنانياً كانت في ذلك الوقت تتلخص في عدم منح أي من الطرفين انتصارا حاسماً في الحرب، أملا بتحقيق توازن سياسي في البلاد يخدم أهدافه الإقليمية في سورية الكبرى. وهكذا عندما ظهر و كأن الأسد حقق أهدافه، استاء السادات و عزم على تخريب الهدوء. وفعلاً بعد أقل من شهر من الهدوء غير المستقر، عادت الحرب للانفجار وعلى نحو أشد عنفاً هذه المّرة. كان الفلسطينيون الذين يقودهم المغامر السّياسيّ ياسر عرفات قد شعروا بالثقة النسبية بعد الجولة الأولى من الحرب، وأرادوا التصرف على مزاجهم في الساحة اللبنانية – لا يعرف بالطبّع بتوجيه من، و هذا بحث آخر – الأمر الذي أزعج السوريين ودفع بحافظ الأسد إلى تغيير التحالفات و مساندة اليمين اللبناني، وهو تحالف سياسي ميكافيللي محض، أملته سياسة عرفات المعادية لسوريا واصطفافه المشبوه مع المشروع الساداتي، لكنه أدى على نحو أو آخر إلى تمكين اليمين اللبناني من ارتكاب أعمال بربرية ضد الفلسطينيين وحلفائهم دخلت التاريخ لبشاعتها وتحقيق خطتّهم القاضية بإلغاء التواجد الفلسطينيّ داخل المناطق ذات الغالبيّة المسيحيّة. السوريون لم يشاركوا مباشرة في حصار تل الزعتر و لا غيره، لكن حصار المخيّم وسقوطه فيما بعد ما كان يمكن أن يحدث دون الثّقل الإستراتيجي والسّياسي الذي قدمه الصمت السوري
مأساة إنسانيّة تامّة
كان السادات أشد الجميع سعادة بالورطة التي وجد السوريون أنفسهم فيها نتيجة لحصار تل الزعتر، ونقلت الصّحافة المصرية الحكوميّة بابتهاج كما يقول ديفيد هيرست أخبار الإبادة الجماعية للفلسطينيين في المخيم المحاصر، وهو أرسل أسلحة ووحدات من جيش التحرير الفلسطيني المرابط في مصر للقتال إلى جانب قوات عرفات. الزّعيم الفلسطيني المهووس بالسّياسة كان رفض خطط المسؤول العسكري لفتح بكسر الحصار عسكرياً من خلال هجوم التفافي عبر خطوط التماس، وكان تقريباً قد وافق على تسليم المخيم للكتائب اللبنانية سلمياً عندما نجحت القوات اللبنانيّة الانعزالية في دخوله
ياسر عرفات: صديق كل أعداء سوريّا
عرفات المهووس بالسّياسة كان رفض خطط المسؤول العسكري لفتح بكسر الحصار عسكرياً من خلال هجوم التفافي عبر خطوط التماس، وكان تقريباً قد وافق على تسليم المخيم للكتائب اللبنانية سلمياً عندما نجحت القوات اللبنانيّة الانعزالية في دخوله
دفع الفدائيون الفلسطينيّون الشّجعان وسكان المخيم المدنيين المحاصرين في المخيم ثمناً باهظاً خلال القتال وبعده في مذبحة يندى لها جبين الإنسانية، اشترك فيها الجميع: قوى الانعزال اللبناني كافة بما فيها الجيش اللبناني وقتها، مدعومين بالطبع من المخابرات الأمريكية و الموساد والأنظمة الوظيفية في المنطقة دون استثناء، و أيضاً بمساهمة فظة من النظام المصري، و تعمد إساءة إدارة المعركة من عرفات وبتقديرات سياسية سوريّة لم تحسب حساباً للدم المراق في المخيم للأسف
سقط المخيم بعد 55 يوماً من القتال، ونفّذت الكتائب اللبنانيّة وقوات حراس الارز فيه مذبحة للنّساء والأطفال ، وشرّد من نجى من القتل المجاني فيه، وانتصر اليمين وبالنتيجة الضمنية النّظام السوري. عندها فقط تدخلت السّعودية، وجمعت الخصمين الأسد و السّادات في الرياض يوم ١٨ أكتوبر ١٩٧٦ و بعدها في مؤتمر قمة عربي (آخر) في القاهرة اعترف فيه السادات بأن لسوريأ وضعاً خاصاً في لبنان، وكان من مفاعيله أن سميت القوات السورية المنتشرة في البقاع وشرق لبنان بقوات حفظ السلام العربية
المخيّم الحزين
وهكذا فإن مأساة المخيّم التي ينبغي لنا جميعاً أن نتعلم منها الدّروس، لا تصلح أبداً أداة للسّجال في المسألة السوريّة الحاليّة. إذ أن الإدانة التّامة – إن حصلت – يجب أن تشمل جميع العرب من المحيط إلى الخليج مروراً بمنظمة التّحرير الفلسطينية، وانتهاء بأسيادهم في واشنطن و تل أبيب، وهي أصلاً إدانة متأخرة، فارغة، لن تقدم للشهداء والجرحى سوى ذكريات ماض
2025-05-06