مسيرات روسية فوق بولندا اختبرت أعصاب جميع الأطراف!
استدعى اختراق مسيرات روسية للمجال الجوي البولندي استجابة عسكرية من الناتو، فيما طلبت وارسو عقد اجتماع تشاوري للحلفاء وجلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي
سعيد محمد*
مثّل اختراق عدد من الطائرات المسيرة الروسية للمجال الجوي البولندي (ليلة الأربعاء)، وتفعيل آليات الرد العسكري والسياسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لحظة تصعيد كادت تتجاوز كونها مجرد حادث حدودي عابر.
لقد نقل هذا الحادث الصراع من إطار الحرب بالوكالة الدائرة على الأراضي الأوكرانية بين الاتحاد الروسي والتكتل الغربي بقيادة الولايات المتحدة إلى بوابة مرحلة الاشتباك المباشر – وإن بنسق محدود ومضبوط هذه المرة – مع البنية الأمنية والعسكرية للناتو في جناحه الأوروبي.
الرواية الرسمية البولندية – والغربيّة على وجه العموم – وصفت دخول ما يقارب 19 طائرة مسيرة إلى العمق البولندي، بأنه “استفزاز متعمد”. في المقابل، نفت موسكو وجود أي نية لاستهداف الأراضي البولندية، مشيرة إلى غياب الأدلة على المزاعم البولندية، لكن بيلاروسيا، الحليف الإقليمي الرئيسي لموسكو، أعلنت أنها أسقطت أيضاً عدداً من المسيرات الروسية التي انحرفت عن مساراتها بسبب تشويش الإشارات الإليكترونية.
ويقول خبراء إن فرضية الخطأ التقني المحض من قبل الجيش الروسيّ ممكنة نظرياً في بيئة حرب إلكترونية نشطة، لكن آخرين قالوا إن عدد المسيرات الكبير يبدو أقرب إلى تكتيك يندرج في إطار الأنشطة الرمادية التي رغم عدائيتها تظل تحت عتبة الحرب التقليدية.
ومن المعلوم أن بولندا عضو في الناتو، ما يستدعي تعرضها لهجوم مسلح رداً عسكرياً شاملاً من قبل الحلف وبالتالي تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو التي تنص على أن أي هجوم مسلح ضد أي من دول الحلف، سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية، يُعتبر هجوماً ضد جميع الأعضاء.
الفرضية الأكثر ترجيحاً هي أن الحادثة لم تكن مقدمة لعمل عدائي واسع، بقدر ما هي “اختبار استراتيجي” روسيّ متعدد الأوجه لقياس الجاهزية العملياتية للناتو وجمع معلومات استخباراتية إلكترونية وعملياتية حول شبكة الدفاع الجوي المتكاملة للحلف في واحدة من أكثر نقاطها قرباً من الأراضي الروسيّة. ولا شك بأن موسكو تابعت سرعة استجابة الرادارات الأرضية والجوية والوقت الذي استغرقه اصدار الأوامر للمقاتلات للتحرك من القواعد العسكريّة عبر أوروبا.
ومما يعزز هذه الفرضيّة أن بعض المسيرات التي تقول بولندا أنها اعترضتها بنجاح طائرات خداعية توازياً مع عدد من الطائرات الهجومية بهدف إجبار منظومات الدفاع الجويّ على كشف أولوياتها، وبروتوكولات الاشتباك الخاصة بها. ومن شأن هكذا مناورة روسيّة أن توفر لصناع القرار الروس فهماً أعمق لديناميكيات التصعيد ويمكن أن تستخدم لمعايرة التحركات المستقبلية.
وعلى مستوى ما، فإن المسيرات حملت رسالة موجهة مفادها أن استمرار تدفق الأسلحة الغربية عبر بولندا (وخاصة مطار جيشوف)، واستخدام أراضيها كعمق لوجستي واستخباراتي لدعم المجهود الحربي الأوكرانيّ، يحمل في طياته مخاطر توسع نطاق العمليات العسكرية وقد يفرض عليها تكاليف مباشرة.
استجابة الناتو جاءت – وفق مصادره الرسمية – سريعة ومنضبطة، حيث تم اعتراض وإسقاط عدد من المسيرات المزعومة تأكيداً فيما يبدو على مصداقية الردع، بينما نفد الوقود من المسيرات الأخرى أو تحطمت لوحدها، مع الإبلاغ عن خسائر مادية طفيفة في خمس قرى على الأقل في شرق ووسط بولندا. وشاركت طائرات مقاتلة هولندية وإيطالية مع مقاتلات بولندية في العمليّة، فيما أغلق مطار شوبان في وارسو لوقت قصير.
وأكد متحدث باسم الحلف أن “هذه هي المرة الأولى التي تتعامل فيها طائرات الناتو مع تهديدات روسية محتملة في المجال الجوي للحلفاء”، لكنه أشار في تصريح لاحق إلى أنّ قيادة الحلف لا تتعامل مع الحادث على أنه هجوم متعمد “ولا توجد لدينا مؤشرات فورية تدفع لأن تفعّل بولندا المادة الخامسة.”
من بروكسيل وصفت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، الحادثة بالانتهاك “المتهور وغير المسبوق” للمجال الجوي لبولندا، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، فيما حث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موسكو على “وضع حد لهذا التصعيد المتهور”.
من جهته، اعتبر دونالد توسك، رئيس الوزراء البولندي، إن هجوم المسيرات جعل الغرب وروسيا “أقرب إلى حرب مباشرة أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية”، ودعا إلى اجتماع طارئ لحلفاء الناتو بغرض التشاور، لكنّه أكد لمواطنيه إنه لا داعي لذعرهم، مضيفاً: “يمكنني القول إن هذا الاختبار الأول لجيشنا وحلفائنا، والإجراءات المعدة لمثل هذا الهجوم قد تم اجتيازها بنجاح، وتبين أن خطط الاستجابة تعمل جيداً”.
وطلبت وارسو رسمياً عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي – رغم معرفتها المسبقة بأن روسيا ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار-، وذلك بغرض خلق سجل قانوني وسياسي رسمي حول الهجوم يمكن البناء عليه مستقبلاً.
وفي التقييم السياسي فإن الحادثة كشفت مجدداً على مركزية الدور الأمريكي كضامن أمن نهائي لأوروبا، إذ أن شبكات القيادة والسيطرة والاستخبارات التي أدارت عملية الاعتراض تعتمد بشكل كبير على الأصول العسكريّة الأمريكية المنتشرة عبر القارة، فيما وجدت فيها كييف فرصة استراتيجية لتدعيم سرديتها بأن الصراع لا يتعلق بأوكرانيا حصراً، بل هو تهديد مباشر للأمن الأوروبي.
إذن بينما تتعثر جهود التوصل إلى تسوية وتتكثف الهجمات والهجمات المضادة، هذا فصل جديد ومتقدم في إطار الحرب بالوكالة تم تجاوزه في إطار قواعد الاشتباك ضمن استجابات مضبوطة. لكن الخطر لا يزال قائماً لناحية حدوث أخطاء في الحسابات أو سوء تفسير للنوايا يضع جميع الأطراف على حافة مواجهة أوسع.
– لندن
2025-09-13