في البنك العربي: 1957!
عن كتاب لن يفقد صدارته:
واصف كمال واستقالتي الصعبة من البنك العربي:1957.
الدكتور جورج جبور
لا بد من اعادة ترتيب المكتبة. تفقد بعض الكتب صلاحية التصدر. من المفترض ان عملية التصنيف سهلة الا ان بعض الكتب ترفض تخليها عن مكان الصدارة.
من هذه الكتب واحد عنوانه:” واصف كمال : شاهد على قضية فلسطين وقضايا عربية”. هو من اعداد هالة سليمان الاسعد وهي التي اهدتني اياه حين صدر . ولمن لا يعرف الدكتورة هالة فهي دكتورة في الحقوق عرفتها من سنوات فاعلة في قضايا الوطن والقضايا العربية والانسانية وقد اسست قبل سنوات منظمة لها حيثيتها اسمها:” جامعة الامة العربية”.
واصف كمال كان مديرا للبنك العربي فرع دمشق في الخمسينات. بهذه الصفة عرفته لمدة اشهر عام 1957.
وكانت لي معه ذلك العام حكاية تروى.
نلت الشهادة الثانوية صيف 1956 ونجحت في خريف ذلك العام مرتين. الاولى حين رفضت قبول بعثة دراسية لاتخصص في اللغة الانجليزية. عرضت علي البعثة لانني كنت الناجح الاول في امتحانات الثانوية فرع الاجتماعيات.
اما المرة الثانية التي نجحت فيها فكانت حين سمح لي رئيس جامعة دمشق بالتسجيل في كليتين في وقت واحد هما كليتا الاداب والحقوق.
في اواخر عام 1956 كنت سعيدا اذهب الى الجامعة فاحضر ما اشاء من الدروس في الحقوق وفي شهادة الثقافة العامة التي هي السنة الاولى في كلية الاداب.
الا انني اكتشفت ان كثيرا من الزملاء في الحقوق او الاداب لم يكونوا منفرغين للدراسة. ومن لم يكن منهم ذا وظيفة كان يسعى اليها.
لماذا لا اسعى الى وظيفة؟
علمت بمسابقة للتوظيف دعا اليها البنك العربي فرع دمشق. تقدمت اليها. نجحت. بدا دوامي يوم 11 ايار 1957.
احببت العمل. اتقنته. كنت اعمل في قسم:”الاعتمادات المستندية” ورئيسه السيد رفيق الجراح من فلسطين.
كان الدكتور واصف كمال مديرا للبنك وهو من فلسطين ايضا. وكانت تدور في ابهاء البنك احاديث حول جهاده في قضية فلسطين.
وكان السيد حنين الترك نائبا للمدير.
وفي البنك نظام حوافز.
تلقيت عددا من الحوافز اثناء عملي.
في واحد من الاسابيع الاخيرة من عام 1957 اتاني الى حيث اعمل السيد نائب المدير واخذني الى مكتبه.
امتدح عملي واعلمني ان ادارة البنك قررت ان من المناسب للبنك ايفادي الى انجلترا للاستفادة من فرصة تدريب قدمها للبنك عميله في انجلترا وهو بنك اللويدز.
سالتي ان اعد نفسي للسفر في الاساببع القلبلة القادمة.
ربما انه لم يسالني رايي. من المرجح انه لم يخطر بباله انني لن اقبل.
بقيت صامتا.
في اليوم التالي استقبلني في مكتبه الدكتور واصف كمال. اكد لي ما اخبرني اياه السيد نائب المدير.
ربما انه هو الاخر لم يسالني رايي.
منذ استمعت الى الفرصة المدهشة انتابتني حالة تغكير شديد بالمستقبل لم اعرفها حين عرضت علي البعثة. اتى رفضي البعثة عفويا صارخا لا يتطلب وقفة: لن اكون مدرسا للغة الانجليزية.
اما الان فالوضع مختلف.
ان تذهب الى انجلترا وتتدرب لدى اللويدز وتعود واحدا من كبار موظفي البنك ليس تطورا عاديا. انه قفزة . ولكن.
ولكن ماذا تفعل باحلامك بل مخططاتك لتساهم في الحياة العامة ؟ اين مكانها في الحياة المصرفية؟
بعد اللقاء الاول مع نائب المدير ، بعده بدقائق، كان قراري واضحا: لا.
لم اشا اعلامه بعد دقائق من ذلك اللقاء.
ولم اشا في اليوم التالي اعلام المدير بقراري.
بدا لي ان من غير اللائق ان ارفض ما يرى انه فرصة ذهبية.
زرت السيد الترك في اليوم الثالث وقدمت له كتاب استقالتي بدءا من اول عام 1958
فوجيء.
لماذا ؟لماذا؟
قلت بثقة:لا احب لمستقبلي ان يرتبط بالعمل المصرفي.
افكر بمستقبل لي مرتبط بالشأن العام.
عدت الى عملي في القسم الذي اعمل به.
كان بين تاريخ كتاب الاستقالة وبين الموعد المحدد فيه للاستقالة ما يقرب من عشرين يوما.
في اليوم التالي لتقديم كتاب الاستقالة— ولدي نسخة منه من الجميل عثوري عليها ضمن اوراقي المتراكمة — في اليوم التالي ابلغت ان المدير يود ان يراني.
ما ان دلفت الى مكتبه حتى امر امينة سره ان تحجب عنه الناس والاتصالات.
جلسنا على مقعدين متناظرين . حديث بين ندين.
تفهم اهتمامي بالشان العام. هناني عليه. تقدم ليشرح بالتفصيل اثر المال والمصارف على الشان العام.
العمل المصرفي ليس تخليا عن الشان العام.
تحدث مطولا عن تجارب شخصية واخرى عامة عالمية معروفة.
لعله ذكر عن روثشيلد ووعد بلفور.
كان تربويا دقيقا: بعد كل استفاضة منه في الشرح يقوم بما يطمئنه بانني معه ي شرحه. لم اشرد.
وحين اتى دوري قلت بثقة: ” لا احب ان اخوض بنجاح تجربة في العمل المصرفي. قد تاخذني بعيدا عن الاهتمام بالشان العام.”.
ويستمر الشرح.
ويستمر الموقف.
توقف ووقف وهناني.
خرجت وفي النفس طعم الانتصار.
الا ان الامر لم ينته عند ذلك الحد وعند شرح موقفي للزملاء.
عدت الى المنزل في احد الايام القليلة التالية.
اخبرني السيد الوالد ان السيد حنين الترك طلب زيارته ووافق.
شرحت للسيد الوالد الموقف الذي لم اكن قد اطلعته عليه من قبل.
ايد موقفي.
اتى السيد نائب المدير.قوبل بحفاوة. نقل الى السيد الوالد تحيات السيد المدير. تحادثنا بمحبة عن المستقبل وما يؤدي اليه كل مسار يتخذه الشاب من نتائج.
استمر موقفي كما كان.
بكل حفاوة جرى وداع السيد النائب.
بكل جدية تابعت العمل حتى انتهى عام 1957.
ودعت المدير ونائبه وريس القسم والزملاء بينما كانت افكاري تحلق بعيدا مرفرفة حول الوحدة السورية المصرية القادمة وما تحمله من افاق العمل في الشان العام ومشاقه.
ابفيت في الصدارة الكتاب الذي اعدته الدكتورة هالة الاسعد عن المصرفي الكبير والمناضل الكبير الدكتور واصف كمال.
جورج جبور
صباح السبت 10 اب 2019.
2021-12-16