روسيا تستمهل وقف الحرب: لا هدنة بلا ضمانات!
سعيد محمد*
زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مركز قيادة قواته في إقليم كورسك، وأمر قائد الجيش من هناك باستعادة الجيب الروسي الذي سيطر عليه الاوكرانيون الصيف الماضي “خلال أقصر وقت ممكن”، والعمل تالياً على إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود. وقال الإعلام الروسيّ بأن قائد الجيش أكّد للرئيس بأن قواته استعادت بالفعل 86 بالمائة من الأراضي المحتلة، وأنها بصدد تحرير ما تبقى وتطهير شراذم القوات الأوكرانية هناك. وأكدت كييف من جهتها هذه الأنباء على لسان القائد العام للجيش الأوكراني، الجنرال أولكسندر سيرسكي، الذي أشار إلى أن قواته “تنسحب لتقليل الخسائر في كورسك، وتناور للانتقال إلى مواقع أكثر ملائمة للدفاع.”
وقال فاليري جيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة الروسية لبوتين إن روسيا أسرت أكثر من 400 جندي أوكراني بعد انهيار الدفاعات الأوكرانية في الجيب الحدودي في الأيام الأخيرة، فيما نبه الرئيس الروسي إلى أنه تجب معاملة السجناء “بشكل إنساني”، لكنه حذر من أن أي مقاتلين أوكرانيين متبقين سيعتبرون “إرهابيين”.
وجاءت زيارة بوتين المفاجئة لكورسك بعد ساعات فقط من الإعلان عن عرض من نظام كييف – تم التوافق عليه مع الفريق الأمريكي المكلف من الرئيس دونالد ترامب بالتفاوض مع موسكو بعد محادثات عقدت في جدّة بالمملكة العربيّة السعوديّة (الثلاثاء / الأربعاء) – لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً على كافة الجبهات القتال في الحرب مع روسيا، ما سارع مراقبون إلى اعتباره بمثابة ردّ ضمنيّ برفض العرض الذي يبدو أقل من توقعات موسكو.
على أن الرئيس الروسي أعرب لاحقاً عن انفتاحه لقبول المقترح الأميركي للهدنة في أوكرانيا، ولكنه قال إن هناك أسئلة عديدة بحاجة إلى إجابات. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، في موسكو، أمس، قال بوتين: “نوافق على الاقتراح بإنهاء الأعمال العدائية في أوكرانيا، شريطة أن يؤدي إلى سلام طويل الأمد”، وأن يقدّم حلولاً “لجذور النزاع”. ورأى أن الهدنة التي اقترحتها الإدارة الأميركية “جيدة”، لكنها” تخدم أوكرانيا في الظروف الحالية”، متسائلاً: “لماذا يحتاجون وقفاً لإطلاق النار لمدة 30 يوماً؟ للتعبئة أم لإمداد أوكرانيا بالأسلحة؟”.
وتابع: “مَن سيراقب وقف إطلاق النار؟ خط الجبهة يمتّد على مسافة ألفي كيلومتر”. وأشار إلى أنه قد يحتاج إلى إجراء اتصال هاتفي مع ترامب، معرباً عن شكره للرئيس الأميركي لاهتمامه بالنزاع بين روسيا وأوكرانيا. وقد سارع الرئيس ترامب إلى التعليق على موقف بوتين، والذي وصفه بأنه “واعد”، وإنْ قال إنه “غير مكتمل”، معرباً عن رغبته في أن توقف روسيا إطلاق النار في أوكرانيا. وقال: “لم نعمل في الخفاء، وبحثنا مع أوكرانيا مسألة الأراضي التي ستحتفظ بها روسيا”، مضيفاً أن “الأوكرانيين ناقشوا معنا خلال المفاوضات، مسألة الانضمام إلى الناتو، وهم يعرفون الجواب منذ 40 عاماً”.
من جهتها، وبعد قبول أوكرانيا بمبدأ وقف إطلاق النار دون شروط مسبقة، استأنفت الولايات المتحدة تقديم الدعم العسكري واللوجستي وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع نظام كييف والتي كانت علقت بعد اجتماع عاصف في المكتب البيضاوي بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ما يقرأ إشارة صريحة إلى ارتياح واشنطن من الصفقة التي قبلها الأوكرانيون.
وقال الرئيس ترامب أنه يأمل الآن بالحصول على موافقة روسيا على عرض وقف لإطلاق النار، وأضاف: “تلقيت بعض الإشارات الإيجابية، لكن الإشارات الإيجابية لا تعني شيئاً”، معترفاً بواقع أن الأمر “شديد التعقيد”، وأن فريقه التفاوضي وإن نجح بحلحلة الأمور إلى حد كبير بما في ذلك الأرض وأشياء أخرى، لكن ذلك كان كله مع جانب واحد فحسب.
لكن ترامب حرص على أن يرفق العرض الذي حمله المفاوضون الأمريكيون إلى موسكو بنغمة تهديد، ملوحاً بضغوط ماليّة إن تمنعت روسيا عن القبول.
وردد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو – الذي كان متوجهاً إلى كندا لحضور اجتماع مجموعة الغربية السبع الكبرى في كندا – تلك التهديدات بقوله إن “واشنطن تريد موافقة من روسيا دون أية شروط لأن هناك فرصة حقيقية للسلام، لكن إذا كان ردها بالرفض، فسيكون ذلك مؤسفا للغاية، وسيكشف عن نواياها”.
وجاءت التهديدات الأمريكية في الوقت الذي قال فيه وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان ليكورنو في مؤتمر صحفي له في باريس إن إعلان وقف إطلاق النار قد يأتي في أقرب وقت، ودعا أوروبا إلى أن تكون مستعدة للمساعدة في فرضه. وكان الوزير يتحدث بعد اجتماع لوزراء دفاع القوى العسكرية الخمس الكبرى في أوروبا – المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وبولندا وفرنسا – في العاصمة الفرنسية (الأربعاء) لمناقشة تشكيل قوة توفر ضمانة أمنية للنظام الأوكراني حال تمت التسوية. وقال ليكورنو إن خمسة عشر دولة أعربت بالفعل عن استعدادها للمساهمة في قوة من ثلاثين ألف جندي تتولى مهام تأمين المطارات والموانئ والبنية التحتية الأوكرانية بشكل دائم.
على المقلب الآخر، وصف زيلينسكي الاجتماع مع المسؤولين الأمريكيين بجدة بأنه كان “بناءاً”، مبرراً تنازله عن موقفه السابق باشتراط الحصول على ضمانات أمنية أمريكية قبل قبول نظامه لوقف إطلاق النار بأن “لا أحد يثق بالروس، ولكننا لا نريد منح مصداقية للادعاءات التي تظهرنا وكأننا لا نريد أن تنتهي هذه الحرب”.
وأكد زيلينسكي لمواطنيه بإنه يتوقع إجراءات قوية من واشنطن إذا رفضت روسيا اقتراح وقف إطلاق النار، وقال: “فهمت من الجانب الأمريكي بأنه يمكننا الاعتماد حينها على إجراءات قوية ضد روسيا. لا أعرف التفاصيل حتى الآن لكننا نتحدث عن عقوبات صارمة بموازاة إجراءات أخرى لتقوية أوكرانيا”.
وبانتظار تبلور رد الكرملين على العرض الأمريكي فإن الخبراء يقولون إن السؤال الأهم في هذه المرحلة قد يتعلق بأكثر من مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، وتحديداً بقدرة الجانب الأمريكي على تقليص الفجوة في المواقف المتباعدة بين موسكو وكييف حول طبيعة السلام (المستقر) الذي يمكن أن تقبله كل منهما.
وتصر موسكو على أنها ليست معنية بوقف مؤقت للأعمال القتالية، وأنها تريد أن يرتبط ذلك حصراً بتسوية سياسيّة، ربما تبدأ بتبادل للأسرى، لكنها تتضمن انسحاب قوات نظام كييف من مناطق لا تزال تسيطر عليها ضمن أربعة أقاليم أعلنت موسكو ضمها (دونيتسك ولوهانسك وزابوريجيا وخيرسون) ، والحياد العسكري لأوكرانيا – التي قد توافق موسكو بدلاً من ذلك على انضمامها للاتحاد الأوروبي -، و”نزع السلاح” الذي قد يمثل تهديداً للأمن الروسي، واستبعاد مشاركة أي قوات لحفظ السلام من دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فيما لا يزال زيلينسكي موهوماً بأحلام استعادة وحدة أراضي بلاده، ليس في الأقاليم الأربعة التي ضمتها موسكو بعد اندلاع الحرب الحاليّة، ولكن أيضاً شبه جزيرة القرم التي سيطرت عليها القوات الروسية في عملية صاعقة بعد الثورة الملونة في كييف عام 2014.
على أن الطرفين مع ذلك لا يريدان التعنت مع الرئيس ترامب، فبوتين الذي قدم سوريا لقمة سائغة للأمريكي، وراهن على توريط واشنطن من خلال إشارات إيجابية حول فتح السوق الروسية أمام رأس المال الأمريكي مجدداً، وربما كذلك دعم المطالبات بضم غرينلاند وكندا إلى الولايات المتحدة، يخشى أن تمديد الصراع في أوكرانيا قد يجعل من تحقيق أهدافه هناك أصعب منالاً مع دعم أمريكي متعاظم للجيش الأوكراني، ناهيك عن تبديد فرصة ثمينة للخروج من دوامة الحصار الغربي الخانق. أما زيلينسكي، فهو يعلم تماماً أنه بدون الدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي الأمريكي فإن كييف نفسها قد تكون في خطر، ولن يكون الأوروبيّون، ذوي الصوت العالي والأيدي القصيرة، بقادرين على تغطية الفراغ الذي قد يتركه غياب حليفهم الأساس ولو جزئياً.
– لندن
2025-03-15