راشد حسين…!
بقلم الراحل أحمد حسين
المراحل الساقطة تخلف الملتزمين والشرفاء فقط . أما ساقطوها فيموتون معها . وإذا جاءت النكبة ولم نعان منها ، فإننا إن لم نكن من أتباعها ، نكون من نكراتها . وكل نكبة تلحق بالوطن هي نكبة شاملة لا تستثني من مكوناته شيئا . لذلك فإن آثارها المدمرة تصيب المكان والإنسان وروابط العلاقة الخاصة بينهما . هذه العلاقة الخاصة هي الثقافة الوطنية التي تحقق مفهوم الوطن في الوجدان حتى خارج العلاقة المباشرة بترابية الوطن ، وتبقي على النكبة راهنا متعلقا للتصدي . فكيف يمكن إذن أن تتجاهل المرحلة خطورة الإلتزام ؟
لقد بدأ التعرض لخطر الإلتزام قبل أن يعرف أحد من هو محمود درويش . لقد بدأ تحديدا براشد حسين في مجال القصيدة . وبحركة الأرض وما تبعها من حركات وطنية لاحقة في مجال العمل السياسي المباشر . وكان فرسان هذا التعرض على مستوى التنكيل الإعلامي هم المتعاقدون بأنماطهم العمالاتية المتعددة . والذين يحظون اليوم بالتعتيم بالرموزية ، هم السلالة التعاقدية الممتدة لهذا التيار الذي بدأ بالمنطق التلقائي والتاريخي لدينا . لا تهم الأسماء الهامشية للإمعات ، فهم مجرد حالات ارتزاق متربصة ، تتطفل على السياق بتلقائية التكسب وحدها . ولكنها لو لم تجد السياق الثقافي المؤسس لتخريب الثقافة الوطنية ، لما تيسر لها الإنضمام الطفيلي إليه . وهم يتكاثرون بسرعة مدهشة على الهوامش الإنتفاعية التي يوفرها لهم السياق ويؤدون له خدمات مهمة قد لا يدرون أبعادها الحقيقية . لذلك فإن الرد عليهم مضيعة للوقت . والتعرض يجب أن يكون موجها إلى السياق النكبوي المدبر . ولكي أوضح الأمر لا أجد مثالا أكثر اتصالا بتاريخية هذا السياق وأساليبه في التنكيل بثوابت الثقافة الوطنية من تجربة راشد حسين مؤسس شعر المقاومة الوطني والقومي بالدليل التاريخي القاطع .
من أراد أن يقرأ شعر المقاومة في الداخل الفلسطيني فليقرأه عند راشد حسين مؤسسه الحقيقي . الشاعر ابن التاسعة عشرة الذي وقف في عنفوان الرعب ، وعلى مقربة من فوهة البندقية يصرخ بفدائية خالصة :
تفجري يا براكينا أهدؤها وامشي على الأرض من دار إلى دارِ
إن كان يرهبهم شعر أردده تعلم الشعر والإرهاب يا جاري
قالوا لقد أطفأ الإرهاب ثورته لا كنت إن لم أكن خلاّق ثوار
هل كان راشد مجنونا أم فدائيا ليقول مثل هذا الشعر ، في ظل عنفوان الحكم العسكري ؟ قال المتعاقدون أنه مجنون طبعا ! ثم قالوا فيما بعد أنه ليس مجنونا ولكنه متهور . ثم أجبرهم الخوف والتملق للجماهير التي جعلها راشد تبصق في وجوههم حتى برلمانيا ، أنه لم يكن هذا ولا ذاك ، ولكن شعرا ء التعاقد هم أيضا شعراء مقاومة ، ولكنهم تقدميون ، وليسوا فاشيين ، لذلك يكتبون شعرا تقدميا فقط .
ويوم كان المتعاقدون الذين ربوا محمود درويش ، يسبون ” عملاء الحكم العسكري !!! ” الذين يزاحمونهم على مقاعد الكنيست ، فقط ، حتى لا يظن البعض أنهم يسبون كل العملاء ويموت من الضحك ، كان راشد يصرخ غضبا على مقربة منهم :
هات لي حبلا وهيِّء مطرقه
وحديدا ، فسأبني مشنقه
لم تزل من شعبنا طائفة
تمضغ العار وتمشي مُطرقه
فلنعلق في الذرى أعناقها
ولنعلق قبلهن الشفقه
نحن ربينا المعالي طفلة
وطرقنا كل درب مغلقة
كيف نبقي بيننا ذا ضعة
كلما شاهد كفا لعقه
أ شنقوه لستمو من شعبنا
إن أبيتم أن تدلوا عنقه
ومع ذلك لم ينجح راشد في الحصول على رخصة شاعر مقاومة ، لأنه رفض ” أنسنة العدو” ، وأصر بدلا من ذلك على ” أنسنة ” حق المقاومة :
ضد أن يجرح ثوار بلادي سنبلة
ضد أن يحمل طفل قنبلة
ضد أن تدرس أختي عضلات البندقية
ضد ما شئتم ولكن ..
ما الذي يصنعه حتى نبي أو نبية
حينما تشرب عينيه وعينيها
خيول القتلة !!
ثم صرخ في وجه المحاولات الدولية ل ” أنسنة الجريمة ” بأعظم عبارة شعرية في تاريخ المعاناة الفلسطيني ، وفي تاريخ علاقته بالآخر . ولعل هذه العبارة هي التي قربت راشد من الحصول على جائزة الشهادة :
يا شرطي الله !
هل سلخت ساعدي
لترقع السواعد التي مزقها سواي ؟
ولم يحارب أحد في حياته أو بعد موته كما حورب راشد حسين من قبل تيار التطبيع مع النكبة . لم يكن بوسعهم التعرض لراشد على الساحة التي تعرف عنه وعنهم كل شيء ، فوصل الأمر بهم حد استكتاب بعض المغفلين في البلاد العربية مقالات أو كتبا كاملة عن راشد من أجل دس عبارة واحدة أو اثنتين تسيئان إليه بشكل من الأشكال ، لكي ينشروا هذه المقالات أو يجتزئوا من تلك الكتب في صحفهم ما يريدون وتكون عهدة الإساءة على الكاتب الذي اعتمد فيما كتب على ما سمعه من إميل حبيبي أو أحد مبعوثيه . وعندما يكتب تاريخ ساحتنا الحقيقي ، فسوف يعرف التدوين الوثائقي مدى التنكيل الذي ألحقه أولئك المتعاقدون بتاريخ أهم مواقع الثقافة الوطنية ، وبعقول مغفلي التلقي على الساحات الوطنية والقومية الأخرى .
ما حدث لراشد حسين حينما تعرض للمتعاقدين وشحاذي السياسة البرلمانيين ، الذين كان همهم التطبيع بيننا وبين ” واقع الحال” ، أي النكبة ، ليحولونا إلى رصيد انتخابي . ملوحين بارتفاع مستوى المعيشة ، أي بازدياد حصتنا من الخبز عما كانت عليه قبل النكبة ، وكأن الخبز ليس خبزنا في الحالتين . فبصق راشد في وجوههم بقصيدته المشهورة ” ألله أصبح غائبا يا سيدي ” ومنها هذا البيت الذي يحدد هوية الخبز الذي ادّعوا أنه خبز إسرائيلي :
أنا لو عصرت رغيف خبزك في يدي
لرأيت منه دمي يسيل على يدي
ولم يغفروا له أبدا . ولاحقته السلطات وتيار التعاقد الكلاسيكي وتيار العمالة الرسمية بقيادة أميل حبيبي معلم محمود درويش ـ كما لا يستحي أن يقول بنفسه ـ حتى الجوع ، ثم حتى المحرقة ، ثم حتى محاولة إخراجه من الذاكرة . ولكن لاتخافي ! لقد أصبح خروجك من الذاكرة الآن أكثر صعوبة عليهم .
وعندما التقى محمود درويش الكهل ب ” ريتا ” في باريس قال لها ” تعالي ننسى ما حدث ! سيكون لكل منا أسطورته خارج الوطن ” ، ثم استدرك : ” أي خارج الفراش ” . ولعل سبب احتراق فراش راشد حسين الذي أودى بحياته هو أنه أصر أن يحمل معه وطنه حتى في الفراش .
للحب نحو القلب درب واحد
ولموطني في القلب مائة مدخلٍِِِ
وطني أحب إليَّ رغم جفائه
من كل حسناء تثير تغزلي
هذا الشعر المكتوب على شاهد قبره اليوم ، هو الشاهد على قسوة المرحلة التي جعلت من مؤسس شعر المقاومة الفلسطيني شاعرا يكاد يكون منسيا خارج الوطن . هذه المرحلة لم تنته بل ازدادت تأزما . وهي التي تلاحقك الآن وتلاحق كل من يتعرض لها أو لرموزها أو لفلسفتها في الإلتزام . وهي التي لاحقت وتلاحق راشد حسين بعد أن رحل ، كي لا يطرح حضوره وحضور أمثاله مثالا للتقييم ليس في صالحها ، أو في صالح تسويق رموزها الذين صنعتهم على أنهم شعراء مقاومة . لذلك حينما استضاف المنفى الجميل محمود درويش بايعته المرحلة رمزا للمقاومة ، بينما وقف راشد المطرود من وطنه مرتين ، في مطار القاهرة يقول بكبريائه المعروفة الباكية :
واقفاً كلّي مذلَّه
في مطار القاهرة
ليتني كنت طليقاً
في سجون الناصرة
إن الرموز الحقيقية تجددها الذاكرة الذكية ، كما يجدد التراب أغصان الشجر .
2024-02-02