حوار علية العلاني مع الصحفي عبد الرؤوف بالي
صحيفة الشروق جانفي 2026
سؤال
كيف تقرأون تحوّل علاقة أمريكا وأوروبا (تفكك الكتلة الغربية التي تقود القطب المتحكم) على الصراع الشرقي من أجل نظام عالمي جديد؟
جواب
تَمُرُّ علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بأوروبا بأسوأ مرحلة في عهد الرئيس دونالد ترامب إذ انتقلت من مرحلة التحالف الاستراتيجي إلى مرحلة الجفاء النسبي بين الطرفين، وهو ما سيكون أحد العوامل المؤثرة في طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه أوروبا مستقبلا في النظام العالمي الجديد. وللإجابة عن هذا السؤال، نقدم ثلاث ملاحظات أساسية:
-الملاحظة الأولى: يجدر التذكير في البداية أنّ وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن في عهد الرئيس بايدن صرّح في محاضرة له تحدثتْ عنها صحيفة فورن أفيرز في غرة أكتوبر 2024 بأنه لا يرى موجبا في ظهور نظام عالمي جديد واقترح بَدَل ذلك القيام ببعض الإصلاحات منها الترفيع في عدد الأعضاء القارين لمجلس الأمن (انظر حوارنا في صحيفة الشروق التونسية مع الصحفي هاشم بوعزيز بتاريخ 11 جانفي/ يناير 2025). وفي هذه الفترة كانت علاقة أوروبا بالولايات المتحدة وثيقة واستراتيجية. ولعل بلينكن كان يخشى في محاضرته تلك من أنّ بروز نظام عالمي جديد سيُفْقدُ أمريكا موقعها كقطب أوحد في العالم.
-الملاحظة الثانية: إنّ فترة حكم الرئيس ترامب الأولى في 2017، والثانية بداية من جانفي 2025 كانت ترسل رسائل واضحة في خصوص التخفيف من أعباء مساهمة أمريكا في حلف الناتو، والتزام أوروبا بالترفيع بـ 5 بالمائة في ميزانية الحلف. وهو ما اعتبرتْه أوروبا صعبا على بعض البلدان الأوروبية وشبه مستحيل لدى البعض الآخر، وهذا ما جعل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تهتز كثيرا في الفترة الأخيرة.
ـ الملاحظة الثالثة: إنّ موقف ترامب منذ جانفي 2025 إلى اليوم الداعي بصراحة إلى وقْف تمويل حرب أكرانيا من طرف الولايات المتحدة وإجبار أوروبا على الانخراط في مفاوضات وقبولها بتنازلات ترابية كبرى لصالح روسيا كانت، بمثابة الضربة شبه القاصمة لأوروبا التي أصبحت استراتيجيتها خاصة في القضايا الدولية متعارضة جذريا مع حليفها القديم. وهو ما من شأنه أن يقود إلى تفكك تدريجي للكتلة الغربية التي تقود القطب المتحكم، خاصة وأنّ تباين المواقف بين أوروبا وأمريكا بدأ يمتدّ إلى قضايا أخرى مثل حرب غزة وصراعات الشرق الأوسط.
سؤال
هل توافقون على الرأي الذي يرى أنّ حرب أكرانيا هي أخر محاولات أوروبا لإنقاذ موقعها في النظام العالمي؟
جواب
بدأت حرب أكرانيا تدخل مرحلة الحسم التدريجي. وبعد أنْ كان الأوروبيون يطلبون تشديد الضغط على روسيا لتقديم تنازلات ترابية هامة، أصبحت أوروبا وحتى أكرانيا (بشكل غير مباشر) قابلة لإنهاء الحرب مع تقديم تنازلات ترابية أقل مما تطلبه موسكو، وتطلب في مقابل ذلك ضمانات أمنية أمريكية بعدم العودة إلى الحرب. لكن الموقف ألأمريكي كان واضحا في تقديم هذه الضمانات وهو الرفض، وهو ما يعني أنّ أكرانيا ستُجْبَر على التخلي على خُمُس أراضيها وتقبل عدم الانضمام إلى الناتو، وتقبل بتقليص عدد جنودها إلخ. وهنا تجد أوروبا نفسها في مأزق وحرج كبيريْن لأنّ بداخل الاتحاد الأوروبي بدأت أصوات تطالب بوقف تمويل الحرب والإسراع بالتفاوض مع روسيا لأخْذ ضمانات منها بعدم تمدد هذه الحرب إلى دول أوروبية أخرى في المستقبل، وقبول الشروط الروسية المذكورة آنفا ربما مع تعديل بسيط. لأن الانسجام داخل الاتحاد الأوروبي حول القضايا الدولية أصبح مهددا. ولأنّ الأزمة الاقتصادية داخل أوروبا بدأت تدق جرس الإنذار. ويمكن القول أيضا أنّ حرب أكرانيا هي آخر محاولات أوروبا لإنقاذ موقعها في النظام العالمي، ويبدو أنّ الولايات المتحدة التي تسعى لتقليص وجودها بالشرق الأوسط ستقبل بوجود أوروبي مكثف نسبيا كترضية لها مقابل قبول الاتحاد الأوروبي للحل الأمريكي تجاه أزمة أكرانيا. ويرى بعض المحللين أنّ هذا الإنقاذ جاء متأخرا نوعا ما، فأوروبا لم تعُدْ تفكر في الاستيلاء على الأموال الروسية المجمّدة ولم تعُدْ تحظى بالأفضلية في النفاذ إلى الأسواق والشركات الأمريكية العالمية بسهولة بعد الترفيع في الأداءات الجمركية من طرف الولايات المتحدة، ولم تعُدْ قادرة – على الأقل إلى وقت قريب – على الترفيع لمساهمتها بـ 5 بالمائة في ميزانية الناتو. ولهذا ستَقْبل أوروبا بمُخرجات الحرب في أكرانيا أملا في الحفاظ على موقع ولو محدود في النظام العالمي الجديد. لكنّ المفاجآت ممكنة في هذا الصدد، لأنّ حسابات بعض الدول الأوروبية تخشى من تزايد أطماع موسكو التي يعتبرونها في رأيهم أنها لن تقف عند حدود أكرانيا. وتخشى أيضا من أنّ القطب الأوراسي الذي تتزعّمه روسيا ربما يضمّ يوما ما بداخله دولا أوروبية أخرى، تكون نتائجه مزعجة جدا لأوروبا. وهنا يمكن القول أنّ مخاوف عدم الوصول إلى مفاوضات تَفْضى إلى حل نهائي للحرب في أكرانيا سيغذي التوتر أكثر فأكثر في القارتين الأوروبية والآسيوية، لأنّ التلويح بضربات نووية تكتيكية محدودة ستكون نتائجه وخيمة على عديد الأطراف وخاصة على الأوروبيين اليائسين من دعم أمريكا لهم في الحرب الروسية الأكرانية، مع إمكانية أنْ يِؤدي ذلك إلى إعطاء أوروبا نفوذا، أقل مما هو عليه الآن، في النظام العالمي الجديد.
سؤال
هل يمكن أن نشهد تبادلات أو مقايضات كبرى بين الولايات المتحدة والصين وروسيا بخصوص تايوان وفينزويلا وأكرانيا؟
جواب
المقايضات ستكون موجودة لا محالة:
-أولا: بالنسبة لتايوان يمكن ضَمُّها للصين خلال هذه السنة أو السنة القادمة 2027، مقابل توازن الموقف الصيني في الصراع بين الهند وباكستان وبين الصين وإيران وتخفيف اللهجة بخصوص التدخل الأمريكي في فينزويلا. كما يُتَوقّعُ أن تطلب الصين من الولايات المتحدة عدم عرقلة مشروع طريق الحرير الذي كَثُر الجدل حول معاكسة مساره في الفترة الأخيرة. وأن تلتزم أمريكا بعدم دعْم الاحتجاجات في إقليم التبت وعدم التدخّل في تركستان،
مقابل التزام الصين بالحفاظ على حضورها الحالي في الشرق الأوسط دون تمدد أكثر مما هو موجود حاليا.
-ثانيا: بالنسبة لفينزويلا، يمكن أن تغُضّ روسيا والصين الطرف على ما يجري من أحداث في فينزويلا، لأنّ عديد المؤشرات تُفيد بعدم قدرة مادورو على الصمود طويلا في مواجهته مع الولايات المتحدة حتى بعد تصريح مادورو بالترحيب بالاستثمارات الأمريكية في مجال الطاقة ومساعدة السلط الأمريكية على مكافحة المخدرات، لكن على ما يبدو أنّ أمريكا رفضت هذه العروض بدليل توغلها جويا يوم 3جانفي/يناير 2026 داخل التراب الفينزويلي مع أخبار مِؤكدة حول اعتقال مادورو وإخراجه من البلاد، بالإضافة إلى أنّ المعارضة الفينزوبلبة القريبة من الولايات المتحدة الأمريكية لها قاعدة شعبية محترمة. (للإشارة نذكر أنّ فينزويلا هي الأولى عالميا في احتياطي النفط والعاشرة عالميا في احتياطي الغاز بالإضافة إلى احتياطيات كبيرة في المعادن مثل الحديد والبوكسيت والذهب والألماس وثروة زراعية كبرى ومخزون هام من الطاقة الكهرومائية، انظر شبكة الذكاء الاصطناعي). هذه الثروات الكبرى بالإضافة إلى التضييق على تجار المخدرات وتقييد الهجرة تجعل المقايضة بين أمريكا وروسيا والصين مربحة بعد أن استحال على ترامب ضمّ كندا ومواجهة عديد الصعاب في ضم غرينلاند.
-ثالثا: بالنسبة لأكرانيا، ربما تكون المقايضة مثلا بتمكين الولايات المتحدة بالقيام باستثمارات مشتركة روسية أمريكية في استخراج المعادن النادرة حتى داخل الأراضي التي سيطرتْ عليها روسيا في أكرانيا. وقد سبق للولايات المتحدة عَقْد اتفاق مع الرئيس الأكراني زيلنسكي للتنقيب عن هذه المعادن في 30 أفريل 2025. كما أنّ موسكو رحّبت سايقا بإمكانية الاستثمار المشترك بين الولايات المتحدة وروسيا لاستخراج هذه المعادن. كما أنّ المقايضة ربما تشمل التزام روسيا والصين بتخفيف تدخّلها في الشرق الأوسط وليس إلغاؤه.
سؤال
ما هو موقع الشرق الأوسط في التحولات التي يشهدها العالم؟
جواب
في الرؤية الأمريكية يشمل مصطلح الشرق الأوسط دول الشرق الأوسط الحالي ودول شمال أفريقيا. هذا الشرق الأوسط مُقْبل على مرحلة مخاض كبرى بعد حرب غزّة. وسيكون هناك بالتأكيد شرق أوسط جديد يعوّض في جزء كبير منه تدريجيا اتفاقية سايكس بيكو. ويُتَوَقّع أن يقوم الشرق الأوسط الجديد على 3 ركائز: أولا، تغيير في الخرائط مع تقسيمات محلية وإقليمية جديدة. ثانيا، تغيير في المؤسسات التمثيلية بالعالم العربي، مثل الجامعة العربية وربما الاتحاد المغاربي ومؤسسات أخرى واستبدالها بهياكل أخرى بديلة. ثالثا، تغيير في طبيعة التحالفات في الشرق الأوسط الجديد.
بخصوص الركيزة الأولى، فإنّ التقسيم يشمل حاليا خريطة فلسطين سواء في غزة أو الضفة الغربية. وتقسيم جديد في سوريا والسودان، وبلدان أخرى في الطريق.
بخصوص الركيزة الثانية: يُحْتَمَل أنْ يكون هناك تغيير في المؤسسات العربية الجديدة في مستوى آليات اتخاذ القرار كاعتماد الأغلبية المطلقة في التصويت عوض آلية الإجماع.
تفعيل أكبر للمؤسسات العربية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي والأمني باعتبار أن التهديدات الإرهابية ما تزال قائمة لحدّ اليوم.
بخصوص الركيزة الثالثة، سيكون هناك – على المستوى العربي – تغيير كبير في طبيعة التحالفات الإقليمية، فحلْف دول الممانعة الذي كان يضم إيران وسوريا واليمن وجزء من لبنان ضعف كثيرا بعد حرب غزّة وخاصة بعد الأحداث التي تشهدها إيران حاليا التي تمرّ بحراك داخلي قوي سيؤثر على توجُّهات السلطة السياسية الحالية بشكل عميق ويقلّص كثيرا من تدخّلاتها الخارجية. ويرى العديد من المحللين أنّ إنشاء اتحاد عربي يُعَوّض الجامعة العربية ويكون للسعودية دور بارز فيه سيكون العنوان الأبرز في التحالفات القادمة بالشرق الأوسط.
أما الكيان الصهيوني فسيكون مُجْبَرا على مراجعة سياسته بعد خروج نتنياهو من الحكم. وهناك جدل خفي يدور حول البحث عن قيادة فلسطينية بديلة للسلطة الفلسطينية الحالية ولحماس وفصائل أخرى، مع أخبار تتعلق بإمكانية الإفراج عن مروان البرغوثي، وإنشاء سلطة فلسطينية جديدة تجمع وجوها جديدة لم تتورط في صراعات سابقة.
وهناك مُعْطى هام في الشرق الأوسط الجديد وهو ضعف تيار الإسلام السياسي وصعوبة مشاركته في الحكم ربما لعدة عقود نظرا للأدوار الفاشلة التي طبعَتْ مسيرته منذ نشأته في نهاية عشرينات القرن الماضي إلى اليوم حيث لم توجد له تجربة حكم واحدة ناجحة في الحكم واتسمت أفكاره بالدوغمائية والراديكالية التي أفرزت تيارات التطرف العنيف، واتضح ذلك جليا فيما يُسَمّى بالربيع العربي والحراكات (جمع حراك) القريبة منه لاحقا.
وأخيرا نقول أنّ موقع الشرق الأوسط الجديد في التحولات التي يشهدها العالم سيمرّ بفترة انتقالية، خاصة وأن الولايات المتحدة تريد التخفيف من وجودها في الشرق الأوسط تاركة المجال لأوروبا وربما تركيا لتعويضها والسعي إلى عدم التمدد أكثر فأكثر للنفوذ الروسي والصيني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولكن يمكن أن يمرّ الشرق الأوسط الجديد بعد الفترة الانتقالية – ويُرَجَّح أنْ لا تكون طويلة – بمرحلة جديدة لإرساء اتحاد عربي قوي بزعامة السعودية، ويكون لهذا الاتحاد استراتيجية واضحة في الحفاظ على الأمن والثروات والسيادة، والحفاظ أيضا على دبلوماسية عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول.
2026-01-08