حنا بطاطو ، العراق ، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية !
عرض : علي رهيف الربيعي
يعتبر مؤلف الراحل حنا بطاطو عن العراق ، الذي صدر باللغة الانكليزية عام ١٩٧٨ عن جامعة برنستون وأهدى الى ” شعب العراق ” ، واحدا من أهم الكتابات التاريخية التي ظهرت عن العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين . وقد صدرت الترجمة العربية لهذا المؤلف الضخم ، التي أنجزها عفيف الرزاز ، في ثلاثة كتب عن مؤسسة الأبحاث العربية ببيروت ، حيث صدر الكتاب الأول ، الذي حمل عنوان : ” الطبقات الاجتماعية القديمة ” في عام ١٩٩٠ ، بينما صدر الكتابان ، الثاني ” الشيوعيون من بداية حركتهم وحتى الخمسينات ” ، والثالث : ” الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار ” ، في عام ١٩٩٢ .
كان هدف بطاطو الرئيسي ، على ما يبدو ، إعداد دراسة شاملة عن الحركات الثورية التي برزت على مسرح الأحداث السياسي في العراق الحديث ولعبت دورا بارزا في ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ ، تتبع أصول هذه الحركات وجذور الأفكار والعواطف التي حركتها وطبيعة صيغتها التنظيمية وبناها الاجتماعية والتأثير الذي تركته على البلاد وتاريخها ، غير أن دراسة الحركات الثورية ، التي ” شكلت بشرائحها الأساسية التعبير الأول عن الطبقات الوسطى ” في عراق ما بعد قيام الجمهورية ، فرضت عليه ” كما يؤكد ” العودة إلى تاريخ الطبقات القديمة التي سادت خلال العهد الملكي ، ولا سيما ملاك الأراضي والتجار ورجال المال ، وذلك للتعرف على طبيعة سلطتهم وطرق تفكيرهم وسلوكهم السياسي وموقعهم الاجتماعي . وإذ هو توسع في دراسة .
وقد اعتمد الباحث في إعداد مؤلفه هذا على كم كبير من المصادر تمثلت أولا : في المحفوظات السرية للمديرية العامة للأمن العام في بغداد ، التي تضمنت ملفات الشرطة السرية عن مختلف الأحزاب والشخصيات الناشطة في العهد الملكي ، وتقارير الاستخبارات السرية البريطانية المتعلقة بالفترة ١٩١٧-١٩٣١ ، والملفات السرية للرائد الانكليزي ج . ف . ويلكنز الذي كان مستشارا للحكومة العراقية ورئيسا ل ” إدارة التحقيق الجنائي ” ، وأوراق ومدونات ومخطوطات حزبية شيوعية وبعثية صادرتها الشرطة ، كما تضمنت مدونات حرفية لاستجوابات أجريت لأعضاء من الكادر الشيوعي اعتقلهم البعثيون في العام ١٩٦٣ ، وتمثلت ثانيا في السجلات البريطانية العامة ، والمصادر العربية المطبوعة ، وجملة مقابلات أجراها الباحث مع شخصيات سياسية ناشطة وقيادية من مختلف الألوان ، بالإضافة لىعدد من المذكرات والتصريحات التي وضعها أو أدلى بها أعضاء في ” اللجنة العليا ” لتنظيم الضباط الأحرار . وقد تعامل بطاطو تعاملا نقديا واضحا مع مصادره ، حيث اعترف بأن جزءا من الكميات الكبيرة من البيانات الموجودة في سجلات الشرطة كان مجديا ، بينما كان الكثير مما تبقى منها غير عملي ، وهو ما فرض عليه أن يستعمل هذه السجلات بحذر ، وبعد التدقيق فيها أحيانا عبر شهود العيان ، وذلك تجنبا لارتكاب ” الأخطاء و الجور ” .
أما بخصوص منهج الدراسة ، فقد اعتمد بطاطو التحليل الطبقي الاجتماعي الكلاسيكي ، القائم على المزاوجة بين آراء كارل ماركس وماكس وغيبر ، محاولا أن يثبت بأن مثل هذا المنهج يمكن تطبيقه على دراسة المجتمعات العربية ، ومنها المجتمع العراقي . وهو ، في هذا الصدد ، لم يبق في العموميات ، بل سعى الى تضمين المفاهيم التي لجأ إليها مضامين ملموسة ، فعرف الطبقة بأنها ” في الجوهر ” عبارة عن ” تكوين اقتصادي في أساسه ”
