ثورة العشرين… الشرارة التي أسست لولادة العراق المستقل..!
انتصار الماهود
لم تكن ثورة العشرين مجرّد انتفاضة عشائرية ضد الاحتلال البريطاني، بل كانت أول صيحة عراقية موحدة تطالب بالحرية، وتؤسس لفكرة الحكم الوطني المستقل بعيداً عن هيمنة الإمبراطوريات التي استولت على الدول العربية ومنها العراق
اندلعت شرارة الثورة في يونيو 1920 من مدينة الرميثة بعد اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة شاملة ضمت عشائر الجنوب، والفرات الأوسط، وحتى المناطق الغربية والشمالية، لتكشف للعالم إرادة العراقيين الرافضة للانتداب البريطاني، كما رفضوا من قبلهم التبعية العثمانية ،
كانت الثورة بمباركة وتأييد وتشجيع رجال الدين في كربلاء المقدسة والنجف الاشرف الذي أصدروا نداءا لمساندة الثوار ضد الانگليز ومنهم (محمد تقي الحائري الشيرازي) ومهدي الخليصي وغيره إضافة للحركات السياسية التي قادها المثقفون العراقيون ودعمهم المباشر للثوار
لم تكن دوافع الثورة فقط ضرائب الاحتلال، أو الاعتداء على الكرامة والعقيدة، بل جاءت تعبيراً عن وعي سياسي جديد بدأ يتشكل، يطالب بحكم عراقي خالص، يضمن السيادة والعدالة، ويمنح العراقيين الحق في تقرير مصيرهم وقد تأثر العراق بمحطه العربي الذي شهد ثورات واحتجاجات ضد الاحتلال الأجنبي مثل الثورة العربية الكبرى عام 1916
لكن الثورة لم تكن سهلة ابدا وكان المجتمع أمام تحديات ومنزلقات خطرة فما بين سندان بقايا الاحتلال العثماني ورواسبه ومطرقة الإحتلال الانگليزي وجوره ، واجه العراقيون تحديات كبيرة، أبرزها تفوّق القوات البريطانية في السلاح والتنظيم،
إضافة إلى قلة التنسيق بين أطراف الثورة في مختلف المناطق، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية وحملات القمع التي استهدفت القرى والمدن الثائرة. ومع ذلك، صمدت الثورة قرابة ستة أشهر وقدّمت آلاف الشهداء واستمرت جزئيا حتى عام 1922
سياسياً، أجبرت الثورة بريطانيا على إعادة النظر في مشروعها الاستعماري، واضطرت لعقد مؤتمر القاهرة عام 1921 الذي مهّد لتأسيس المملكة العراقية وتنصيب الملك فيصل الأول، ليكون حاكماً للعراق بغطاء وطني، رغم بقاء النفوذ البريطاني في بعض المفاصل والذي استمر حتى منتصف القرن العشرين في العراق
ورغم التحديات، أسّست ثورة العشرين قاعدة سياسية مهمة: لا يمكن تجاهل إرادة العراقيين، ولا يمكن فرض نظام بلا شرعية داخلية. ولولا تلك الثورة، لما انطلقت فكرة تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولظلّ العراق تحت سطوة المحتل بلا كيان واضح.
اليوم، ونحن نعيش في عراق مليء بالتحديات والانقسامات، يجب أن نستذكر كيف وقف أجدادنا صفاً واحداً دفاعاً عن الأرض والكرامة، ونتعلم أن لا بناء للوطن دون وحدة الصف، وأن الاستقلال لا يُحفظ إلا بتكاتف الجميع بعيداً عن المصالح الضيّقة.
2025-07-01