بين الرمزي والمادي: فلسطين بين لعنة الوعد ووهم الاعتراف؟
خالد عطية
منذ أكثر من قرن، وقّعت بريطانيا على وثيقة قصيرة صارت لعنة طويلة: وعد بلفور. في جملة يتيمة، تعهّدت دولة استعمارية بإعطاء ما لا تملك لمن لا يستحق، متجاهلة وجود شعب كامل على أرضه. لم يكن ذلك الوعد مجرّد خطأ دبلوماسي؛ كان إعلاناً صريحاً لذهنية استعمارية ترى فلسطين فراغاً تاريخياً يمكن ملؤه بمشروع استيطاني يخدم مصالح الإمبراطورية. فرنسا بدورها باركت ذلك التوجه تحت غطاء الانتداب، فتحوّل الوطن إلى مختبر لإعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية بلبوس قانوني.
بعد سبعة عقود، جاءت اتفاقيات أوسلو لتكرّس ما وصفه إدوارد سعيد بـ”السلام بلا أرض”. لم تكن أوسلو مشروع تحرر وطني، بل إعادة ترتيب للاحتلال بأدوات “ناعمة”: سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، قضايا مركزية مؤجَّلة إلى أجل غير مسمى، واستمرار السيطرة على الأرض والحدود والمياه. كانت أوسلو امتداداً لوعد بلفور بلغة جديدة؛ الأول أنكر وجود الشعب الفلسطيني، والثاني اعترف به كشعب لكنه حوّله إلى إدارة محاصَرة بلا سيادة.
اليوم، وبعد سنتين من الإبادة في غزة، نسمع اعترافات متتالية بدولة فلسطين من حكومات أوروبا، بينها بريطانيا وفرنسا. للوهلة الأولى يبدو ذلك إنجازاً، لكنه عند التمحيص يثير تساؤلاً وجودياً: هل هو فعل إنصاف متأخر، أم خطوة رمزية لإعادة إنتاج السيطرة في ثوب جديد؟ إن الدول ذاتها التي أسست للمأساة، وساهمت في تغذية آلة الحرب الإسرائيلية بالسلاح والدعم السياسي، تريد أن تمنح الفلسطينيين “جائزة ترضية” في شكل اعتراف لا يغيّر من الواقع شيئاً.
هنا يصبح استحضار قراءة سعيد ضرورياً. هذه الاعترافات تشبه أوسلو: سلام بلا سيادة، دولة بلا أرض، إدارة أزمة لا إنهاء استعمار. إنها تتيح للغرب أن يتخفف من ضغط الشارع ومن صور الإبادة المتداولة، دون أن يفرض عقوبات، أو يوقف صادرات السلاح، أو يجرّم الاحتلال على جرائمه. الاعتراف يصبح، في أحسن الأحوال، خطاباً رمزياً يمنع اختفاء فلسطين من النصوص الأممية، لكنه لا يوقف قصفاً ولا يحمي طفلاً ولا يعيد لاجئاً.
من منظور نقد الاستشراق، هذه الاعترافات لا ترى الفلسطينيين كشعب صاحب حق أصيل على أرضه، بل كملف إداري يجب “تدبيره” كي لا يهدد استقرار المنظومة الدولية. الغرب يتعامل مع فلسطين بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع مستعمراته السابقة: يوزّع اعترافات جزئية ومتأخرة ليغطي استمرار البنية الاستعمارية. وحتى بريطانيا، صاحبة وعد بلفور، لا تعترف اليوم بفلسطين بدافع الندم أو التكفير عن الذنب، بل لأن حجم الخراب ووضوح الجريمة الإسرائيلية جعلا الصمت مكلفاً سياسياً.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن لهذه الاعترافات وجهاً آخر. فهي تفضح هشاشة السردية الإسرائيلية التي طالما ادعت أن فلسطين “أرض بلا شعب”. كما أنها تُبقي فلسطين حاضرة في القانون الدولي والخطاب العالمي، وتفتح نافذة صغيرة يمكن تحويلها إلى منصة للمطالبة بالحقوق الكاملة. لكنها تظل سلاحاً ذا حدّين: يمكن أن تُستثمر كخطوة رمزية نحو التحرير، أو يمكن أن تتحول إلى نسخة جديدة من أوسلو، حيث يُختزل التحرير في إدارة نزاع بلا نهاية.
ما بعد الإبادة لا يحتمل التبسيط. المطلوب اليوم ليس مجرد اعتراف رمزي، بل اعتراف يتبعه فعل: عقوبات، محاكمات، تفكيك لشبكات الدعم العسكري والسياسي للاحتلال. وإلا فإن الاعتراف سيبقى مجرّد ورقة جديدة في أرشيف طويل من “الاعترافات” التي تخدم النظام الاستعماري أكثر مما تفككه.
في المحصلة، ما نراه اليوم هو تكرار للبنية ذاتها التي فضحها إدوارد سعيد: بنية استعمارية تفرض نفسها عبر خطاب “سلام” أو “اعتراف”، لكنها في العمق تواصل نفي الفلسطينيين كشعب ذي حق مطلق في أرضه. المطلوب أن نستقبل هذه الاعترافات بوعي مزدوج: أن نثمّن رمزيتها، لكن أن نرفض اختزالها في إنجاز. فالتحرير لا يُقاس بعدد البيانات والاعترافات، بل بمدى قدرة الشعب الفلسطيني وحلفائه على قلب المعادلة، وتحويل الرمزي إلى مادي، والاعتراف إلى سيادة، والوجود إلى حرية.
2025-10-03