بإيجاز – الغذاء والصّحّة!
الطاهر المعز
الأغذية فائقة المعالجة: “التضليل واستراتيجية الشك” التي تستخدمها جماعات الضغط وشركات الفلاحة والصناعات الغذائية
نظمت مجلة “ذا لانسيت” ندوة حول الأغذية فائقة المعالجة وعواقبها الصحية والإجراءات اللازمة للحد من انتشارها والحاجة الملحة لمواجهة جماعات الضغط القوية في صناعة الأغذية، وشارك في النّدوة رئيس تحرير ذا لانسيت ، وممثلون عن منظمة الصحة العالمية واليونيسف، وباحثون رائدون في هذا المجال، وأكّد المُشاركون على خطر انتشار الأطعمة فائقة المعالجة كبديل للأغذية الكاملة، لأن هذه الأغذية فائقة التّصنيع تُعتبر أحد أسباب انتشار بعض أنواع الأمراض المزمنة.
ما علاقة النظام الغذائي بأمراض القلب والأوعية الدموية وداء السكري والسرطان والصّحة بشكل عام؟
ما هو الطعام فائق التصنيع؟ إنه طعام خضع لعمليات تحويل صناعية مكثفة شملت عمليات بيولوجية وكيميائية و/أو فيزيائية (الهدرجة، الطهي والبثق ) تُبعده عن مكونات الطعام الأساسية: بيضة، فاكهة، خضار، أو قطعة لحم. غالبًا ما تُعاد تركيب هذه الأطعمة بالكامل باستخدام عناصر مشتقة من المعالجة، كم تحتوي هذه الأطعمة على إضافات تضاف لجعل المنتج أكثر جاذبية من حيث الطعم والملمس والرائحة واللون (المحليات والمستحلبات والألوان… يشار إليها أحيانًا باسم الإضافات “التجميلية”)، أو مكونات صناعية أخرى مثل شراب الغلوكوز/الفركتوز، والنكهات، وعزل البروتين، والزيوت المهدرجة…
يُوصي الأطباء وأخصّائيو التغذية والصحة بالحد من استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، بناء على تراكم المعلومات والخبرة بشأن العلاقة بين النظام الغذائي والوفاة المبكرة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة وداء السكري من النوع الثاني، وأعراض الاكتئاب، وبعض أنواع السرطان…
نشرت مجلة “ذا لانسيت” الطّبّية سلسلة مقالات علمية ( 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025) استندت إلى حوالي مائة دراسة، حول التأثيرات الصحية للأطعمة النيئة أو المصنعة بشكل بسيط او للأطعمة المصنعة بشكل كبير (الأغذية فائقة المُعالجة)، وتمثلت الدّراسات في تجارب اتّبع خلالها بعض المشاركين نظامًا غذائيًا فائق التصنيع، بينما تلقّى آخرون العدد نفسه من السعرات الحرارية ولكن مع أطعمة نيئة أو مُعالجة بشكل طفيف، أو غير مُعالجة، وتمت مقارنة التّأثيرات على العلامات المبكرة جدًا للأمراض المزمنة: زيادة الوزن وتغيرات في دهون الدم وتغيرات في ميكروبات الأمعاء، واستنتجت الدّراسات ضرورة الحد من تعرض السكان لهذه المواد الضارة، من خلال تبسيط المعلومات للمستهلك ووضع العلامات بشكل أكثر وضوحا، فضلا عن إقرار ضرائب على الأغذية المُصنّعة أو فائقة التصنيع، لتَيْسِير وصول المُستهلكين إلى المنتجات ذات القيمة الغذائية الأفضل والتي لا تخضع للمعالجة أو تخضع لمعالجات طفيفة، وتنظيم الإعلان والتسويق، وخاصة الموجه للأطفال، وتنتهج شركات الأغذية العابرة للقارات نفس أساليب واستراتيجيات الضغط التي تستخدمها صناعة التبغ كالتّضْليل والتّشكيك في البحوث العلمية، وتُوظِّفُ علماء مرتزقة لإصْدار تقارير مُضادّة…
تنشر مجلة “ذا لانسيت” الطّبّية منذ سنوات تقييمات لتأثير النظام الغذائي على الصحة سلسلة مقالات عن دور الغذاء في صحة المواطنين، وطلبت توضيح المعلومات المكتوبة على عبوات المواد الغذائية لإعلام المستهلكين بشكل أفضل حول التركيبة الغذائية للأطعمة من أجل توجيه اختياراتهم نحو الأطعمة ذات الجودة الغذائية الأفضل وبالتالي أكثر ملاءمة للصحة، غير إن الأغذية فائقة المُعالجة أقل سعرًا من الأغذية الطّازجة، ولا تتطلب وقتًا وجُهْدًا إضافيا لتحضيرها…
كما نشرت مجلة (BMJ Global Health ) منذ سنة 2014 دراسات اعتمدت على إجراء بحوث منهجية وأنشأت قاعدة بيانات للمراجع الببليوغرافية والمقالات العلمية حول الأنظمة الغذائية، فضلا عن تحليلات وتقييمات ومراجعات، ونشرت مقالات تصف خصائص بعض الأطعمة غير الصّحّية وأساليب الشركات المصنعة، ودور جماعات الضغط في تسويقها وإرهاب من ينتقدها، اعتمادًا على بحوث تنشرها مؤسسات تُساهم في تمويلها، وأشارت المجلة إلى “تأثير تضارب المصالح على نتائج المنشورات المختلفة المتعلقة بمقياس التغذية الصّحّيّة”، كنتيجة لخصخصة البحث العلمي الجامعي وفَرْض الشراكة بين القطاعَيْن العام والخاص، أي التمويل الجزئي لمؤسسات البحث العلمي من قِبل الشركات الرأسمالية، لتنشر هذه المؤسسات بحوثًا ودراسات تتوافق مع مواقف أو مصالح الجهات الممولة، مثل قطاع الفلاحة التجارية وتصنيع الأغذية، وفق معهد (Institute for Health Transformation ) في دراسة نُشرت سنة 2020…
لقد ثبت أن تناول الطعام وفقًا لمقاييس التغذية السليمة يؤدّي إلى انخفاض خطر الإصابة بالأمراض المزمنة (السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية) وبالوفيات، ولذلك يتوجب على السلطات الحاكمة إقرار برامج تحسين الجودة الغذائية – خصوصًا للفئات منخفضة الدّخل – ليتمكّن نظام الغذاء الصّحّي من منافسة “الأطعمة فائقة المعالجة”، ومن مواجهة جماعات الضغط التي تمولها الصناعات الغذائية وشركات الفلاحة التجارية، فقد بلغت الميزانية الإعلانية ( الإشهارية) سنة 2024 لثلاث شركات عابرة للقارات ( كوكاكولا وبيبسيكولا ومونديليز) 13,2 مليار دولارا، ، أي ما يعادل أربعة أضعاف ميزانية منظمة الصحة العالمية، وتنشر هذه الشركات بحوثًا تُشوّه البحوث العلمية حول التغذية السليمة، وتنشر مقالات (يُموّلها قطاع الأعمال الزراعية والصناعات الغذائية) في مجلات علمية رديئة الجودة، كما أدّت سياسات “التعاون بين القطاع العام والخاص” إلى زيادة الضّغوط من قِبَل الشركات الرأسمالية على المؤسسات الجامعية وعلى مؤسسات القطاع العام للبحث العلمي…
يؤكّد الكثير من العلماء والعاملين في مجال الصحة، والباحثين في الجمعيات العلمية ومؤسسات البحث والصحة العامة على ضرورة مراعاة تضارب المصالح وعلى وجوب تمويل قطاع البحث من قِبل الدّولة لتجنّب ضغوطات الشركات التي لا تهتم سوى بالأرباح التي تجنيها من تسويق أغذية غير صحية، غير مبالية بمقومات الجودة وتأثيرها على صحة المواطنين.
2025-12-04