الطريـق إلى بئـر سبع
قصة الشهادة في فلسطين (1/2)
بقلم/ د. رفعت سيد أحمد*
في أجواء تداعيات ما بعد الحرب الايرانية الاسرائيلية ووصول الصواريخ الايرانية الي بئر سبع والتي تبعد عن مفاعل ديمونة 30 كم فقط وفي أجواء حرب الابادة الاسرايلية علي قطاع غزة والممتدة من 2023 حتي اليوم (2025) منذ فترة وقعت في يدي نسخة نادرة من الرواية الرائعة (الطريق إلى بئر سبع) للروائية الإنجليزية إيثيل مانين ترجمة د. نظمي لوقا، طبعة عام 1967 صادرة عن سلسلة روايات عالمية، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، وجدتها عند أحد باعة الكتب القديمة في سور الأزبكية (أو ما تبقى منه)، وهي رواية لا تحكي عن االصواريخ الايرانية التي وصلت الي بئر سبع لانها لم تكن موجودة حين كتابتها وكان شاه إيران وقتها صديقا مخلصا لامريكا وإسرائيل !! لكنها تحكي في قالب أدبي مؤثر مأساة نكبة 1948، من خلال قصة عائلة مسيحية فلسطينية يتم تهجيرها من اللد إلى رام الله إلى أريحا، مشياً على الأقدام مع وصف دقيق لمشاهد الموت البطيء وآثار الإجرام الصهيوني لانتزاع شعب من أرضه، وزرع قطعان من المستوطنين الغزاة محلهم،(تماما كما يحدث اليوم2025) وكيف تفرقت السبل بهذه العائلة إلى موت وهجرة واستشهاد في تتابع ملحمي لفصول وأحداث الرواية الرائعة بكافة المعايير الفنية، إنها رواية في ظني تحتاج اليوم ونحن في أجواء العهشرين شهرا من الحرب غير المتماثلة ..حرب الابادة علي غزة إلى إعادة نشرها وقراءتها على أوسع نطاق، وسأكتفي في هذا المقال بتلخيص لأبرز ما تضمنته كلمة المؤلفة الافتتاحية وهي كلمة سياسية بامتياز حكت فيها وبعد رحلات متعددة لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين، عن أصل الصراع وأبعاده في كلمات قليلة موجزة ذات دلالة، وكنت قد سبق لي التنويه عنها منذ فترة في إحدي المجلات الاسبوعية المصرية ولكن يبدو أن لا أحد يقرا ! تبدأ الروائية مقدمتها السياسية بكلمات تقول فيها أنه:
حتى 29 نوفمبر سنة 1947 كان ثمة بلد يسمى فلسطين، هو الوطن العتيق للفلسطينيين القدامى، وهو بلد عربي الصبغة بصورة واضحة، وحين صدر إعلان “بلفور” في نوفمبر سنة 1917 مؤذناً بأن الحكومة البريطانية تؤيد “قيام وطن قومي لليهود في فلسطين” كانت غالبية السكان هناك من العرب، بنسبة تزيد على 90% وكان في فلسطين في ذلك الوقت نحو 50.000 يهودي، أما المسلمون والمسيحيون فكان عددهم وقتئذ نحو 670.000 ، ولكن في سنة 1915 كان السير “هربرت صمويل” اليهودي والصهيوني البارز قد نادى في مذكرة بعنوان “مستقبل فلسطين” بهجرة ثلاثة أو أربعة ملايين من اليهود إلى فلسطين تحت الحماية البريطانية، فوضحت من ذلك المطامع الصهيونية بصورة لا خفاء فيها، وثبت أن ما يرمون إليه ليس إنشاء وطن قومي وملاذ لضحايا الاضطهاد من اليهود في مختلف البلدان، بل الهدف الحقيقي هو إقامة دولة يهودية مكتملة الأركان!.
ثم تقول المؤلفة: ولما صدر إعلان بلفور بعد ذلك بثلاث سنوات تقريباً، واجه واقعاً أقل من ذلك بكثير، فكان الحل البديهي في نظر اليهود هو ازدياد الهجرة اليهودية إلى فلسطين بحيث يصبح اليهود هناك أغلبية، وفي سنة 1919 أصدر الدكتور “وايزمان” الزعيم الصهيوني وقتئذ تصريحه المشهور بأن فلسطين ينبغي أن تغدو “يهودية مثلما تعتبر إنجلترا إنجليزية”.
وفي سنة 1920 تجسم إعلان بلفور في صورة الانتداب الإنجليزي على فلسطين، وكان العرب حين قاتلوا في صف الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ضد الأتراك قد اعتقدوا أنهم إنما يحاربون في سبيل استقلالهم، فإذا بهم ينكبون بالانتداب الإنجليزي والفرنسي بدلاً من نيل استقلالهم، وبذلت محاولة للتحكم في الهجرة اليهودية، ولكن الهجرة غير المشروعة ظلت في ازدياد عن طريق مكتب للجوازات المزورة في برلين، فازدادت عداوة العرب، ووقع شغب وحدثت اضطرابات وفرضت أحكام عرفية واستمر الكفاح الوطني للحصول على الاستقلال.
- * * * *
ثم تواصل مؤلفة الرواية مقدمتها السياسية قائله: وعند نشوب الحرب العالمية الثانية لم يكن الوطن القومي لليهود قد تحقق في صورة ذاتية، ولكن تعداد اليهود كان قد قفز من 50.000 إلى 600.000 ، وكانت حكومة الانتداب قد منحت اليهود سيطرة متزايدة على مقدرات البلد الاقتصادية، وكانت الصناعات الصهيونية تتمتع بحماية الحكومة، في حين كانت القرى العربية تدمر لتفسح المجال للمستعمرات الصهيونية، وصار لليهود مستشفياتهم ومدارسهم ومنظماتهم السياسية، وتمتعوا بمعاملة متحيزة من حماتهم البريطانيين.
وكما كانت الحرب العالمية الأولى سبباً في إعاقة المطامع الصهيونية، كذلك عاقت الحرب العالمية الثانية الآمال العربية الوطنية، وثبت أن ما ادعى من اضطهاد النازي لليهود في ألمانيا كان سنداً قوياً للصهيونية .. فتألفت لجنة إنجليزية أمريكية ثلاثة من بين أعضائها الستة من غلاة الصهيونية زارت فلسطين في سنة 1946 وأوصت في تقريرها بإدخال مائة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، وقد استعجل الرئيس (الدمية) على حد تعبير مؤلفة الرواية ترومان تنفيذ ذلك، مع ترك الباب مفتوحاً لمزيد من التهجير مستقبلاً!.
ولما لم يصل مؤتمر فلسطين المنعقد في لندن في سنتي 1946 ، 1947 إلى اتفاق، لأن ممثلي العرب في ذلك المؤتمر طالبوا بقيام دولة عربية ديمقراطية مستقلة في فلسطين، أحيلت “مسألة فلسطين” إلى الأمم المتحدة، وخصصت دورة غير عادية للفصل فيها، وتحت الضغط الصهيوني الذي تؤيده الولايات المتحدة، أوصت اللجنة الخاصة التي ألفتها الأمم المتحدة لشئون فلسطين بتقسيم ذلك البلد. *
وبعد ..تستمر مؤلفة هذة الرواية التاريخية في حديثها الباكي عن نكبة فلسطين 1948 وما جري في أثناءها من مؤامرات دولية قاتلة تماما –ما أشبه الليلة بالبارحة – تماما كما يجري اليوم 2025 في النكبة الثالثة ….نكبة إبادة قطاع غزة وسط صمت وتواطئ إقليمي ودولي مخيف .. - (وللحديث بقية الاسبوع القادم )
يتبع
2025-07-12