الحرب التي غيّرت العالم ولم تغيّرنا!
بقلم: خالد صالح عطية
الحرب على غزة، التي دخلت عامها الثالث، لم تعد حدثًا عابرًا في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل تحوّلت إلى لحظة كونية كاشفة، أعادت ترتيب وعي العالم بذاته، وفضحت بنيته الأخلاقية والسياسية. لقد غيّرت هذه الحرب وجه العالم، لكنها لم تغيّرنا نحن الفلسطينيين بعد، أو ربما غيّرتنا من حيث لا نزال نرفض أن نرى التغيير فينا.
منذ طوفان الأقصى وحتى لحظة الكتابة هذه، تحوّلت غزة إلى مرآة مكشوفة للعالم: مرآة تُظهر انهيار القيم التي طالما ادّعاها الغرب، وانكشاف إسرائيل كقوة استعمارية تستند إلى العنف لا إلى الحق، وفضحت كذلك هشاشتنا نحن، الفلسطينيين والعرب، في مواجهة أنفسنا أكثر مما في مواجهة العدو. فالحرب، وإن كانت مادية في أدواتها، إلا أنها رمزية في آثارها، إذ كشفت البنية الداخلية للوجود الفلسطيني والعربي والعالمي على حد سواء.
على الصعيد الإسرائيلي، لم تعد إسرائيل “الدولة التي لا تُقهر”، بل باتت كيانًا مأزومًا في أخلاقه وهويته. الحرب لم تحطم أسطورتها العسكرية فحسب، بل كشفت تصدّعها الداخلي بين يمين ديني متطرف ومؤسسة عسكرية تائهة، وبين قيادة سياسية فقدت السيطرة على روايتها أمام العالم. وللمرة الأولى منذ قيامها، تقف إسرائيل أمام سؤال وجودي لا أمني: من نحن بعد أن سقط قناع الضحية وانكشفت هوية الجلاد؟ فالإبادة الممنهجة في غزة لم تُسقط الشرعية الأخلاقية عن إسرائيل فحسب، بل جعلت من اسمها مرادفًا للعنف والعنصرية، وأحدثت شرخًا عميقًا في بنيتها النفسية والسياسية.
أما على الصعيد العربي، فقد أعادت الحرب اختبار المعنى العميق للعجز. الأنظمة ظلّت تراوح بين بيانات الإدانة ومخاوف الانفجار الداخلي، بينما الشعوب استعادت نبضها المقموع. من الرباط إلى بغداد، ومن عمّان إلى صنعاء، عاد الشارع العربي ليكتشف أن فلسطين ليست مجرد “قضية” بل هي مرآة الذات العربية ذاتها. ومع ذلك، يبقى الانقسام الفلسطيني جرحًا مفتوحًا في وعي الأمة، إذ يواصل الفلسطينيون العيش في تناقضٍ بنيوي بين خطاب المقاومة وخطاب السلطة، بين الفعل والتحليل، بين المقاومة كرمز للصمود، وسلطةٍ غارقة في الاستجداء السياسي. هذا الانقسام لم يعد سياسيًا فحسب، بل وجوديًا، لأنه يمزّق معنى المشروع الوطني ذاته، ويحوّل المقاومة إلى فعلٍ معزول عن الرؤية، والسياسة إلى إدارةٍ بلا بوصلة.
على الصعيد الإقليمي، لم تكن الحرب على غزة معزولة عن ارتداداتها، بل فجّرت زلزالًا في خرائط القوة والتحالف. فإيران، التي كانت تُقدّم نفسها كراعٍ لمحور المقاومة، وجدت نفسها هذه المرة في قلب المعادلة لا على هامشها، إذ تعرّضت لضربات واستنزاف سياسي وأمني واقتصادي مباشر، ودفعت ثمن حضورها في معادلة الصراع. لتصبح الحرب اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على الانتقال من “الدور الداعم” إلى “الفاعل الصريح” في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
أما تركيا، فقد ظلّت تتأرجح بين خطاب التعاطف العاطفي ومصالحها الاستراتيجية المعقّدة، بين لغة أردوغان الخطابية ولغة السوق والطاقة. ومصر، بوصفها الجار الأشد التصاقًا بغزة، وجدت نفسها عالقة بين بوابة المعبر وضغط الأمن القومي، تحاول الموازنة بين مسؤوليتها التاريخية وقيودها الواقعية. أما دول الخليج، فبدا وعيها الجمعي ممزقًا بين التطبيع المعلن ومأزق الرأي العام الذي لم يعد يقبل أن يكون الصمت سياسة.
لقد جعلت هذه الحرب الإقليم كله أمام مرآته العارية: فإما أن يكون شريكًا في صناعة التاريخ، أو شاهدًا عليه. إنها حرب لم تُختبر فيها فقط موازين القوة، بل موازين الأخلاق والمواقف، وأعادت تعريف “الاصطفاف” في المنطقة لا وفق المحاور العسكرية، بل وفق سؤال أكثر جذرية: من يقف إلى جانب الإنسان، ومن يبرّر موته؟
أما على الصعيد الدولي، فقد تكسرت الهيمنة الرمزية للرواية الإسرائيلية. للمرة الأولى، ينقسم الغرب على ذاته أخلاقيًا، وتخرج الملايين إلى الشوارع في عواصم العالم مطالبة بوقف الإبادة. قرارات محكمة العدل الدولية، تقارير الأمم المتحدة، وموجة الاعترافات المتزايدة بدولة فلسطين لم تعد تعبيرًا عن التعاطف، بل عن تحوّل في الضمير العالمي الذي بدأ يدرك أن الصمت أمام غزة هو تواطؤ مع الجريمة. ومع ذلك، فإن هذا الوعي العالمي ما يزال في طور التحوّل الرمزي أكثر منه السياسي؛ فالقوى الكبرى لا تزال عاجزة عن ترجمة هذا الضمير إلى فعلٍ مؤسسي يحدّ من آلة القتل الإسرائيلية.
الحرب على غزة تجاوزت منطق الأرقام إلى منطق الوجود. عشرات الآلاف من الشهداء، مئات الآلاف من الجرحى والمشرّدين، أحياء ومساجد ومدارس أُبيدت بالكامل. ومع ذلك، لم تمت غزة. بل تحوّلت من مكانٍ إلى معنى، من مدينةٍ إلى سرديةٍ وجودية تقول للعالم: “نحن باقون، لأننا لا نملك إلا أن نبقى.” المقاومة هنا لم تعد مجرد فعلٍ عسكري، بل شكل من أشكال الوعي الجمعي الذي يرى في البقاء فعلًا سياسيًا بحد ذاته. المقاومة، رغم ما تحمله من جدلٍ داخلي وإقليمي، جسّدت في طوفان الأقصى لحظة استعادةٍ رمزية للكرامة الفلسطينية، حتى وإن ظل مشروعها السياسي غامضًا ومفتوحًا على التأويل.
لكن المفارقة المؤلمة أن كل هذا التغيير الخارجي لم يرافقه تغيير داخلي حقيقي. فالفلسطيني ما زال يعيش في البنية السياسية ذاتها، في انقسامٍ يعيد إنتاج ذاته، وفي غياب مشروعٍ وطني تحرري جامع يربط المقاومة بالفعل السياسي والمؤسساتي. لقد أعادت الحرب تعريف فلسطين في وعي العالم، لكنها لم تُعد تعريف فلسطين في داخل الفلسطينيين أنفسهم. فما زال الخطاب السياسي غارقًا بين أيديولوجيا المقاومة وسلطة الوهم، بين البندقية والكرسي، بين الحلم والواقع.
على الصعيد البنيوي الأعمق، يمكن القول إن هذه الحرب شكّلت لحظة كشف بنيوي للعالم ولنا معًا. فهي عرّت أخلاق العالم الغربي الذي يبرّر القتل، كما عرّت هشاشتنا العربية والفلسطينية في مواجهة ذواتنا. الحرب لم تغيّر موازين القوى بقدر ما غيّرت موازين الوعي. غير أن الوعي الجديد، رغم اتساعه، ما زال يفتقد إلى ترجمة مؤسسية، وإلى بنية فكرية قادرة على تحويل الصمود إلى مشروع، والمأساة إلى رؤية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحولات الجارية في العمق. فالمشهد الثقافي والإعلامي العالمي بات أكثر انفتاحًا على الرواية الفلسطينية، والجيل الفلسطيني الجديد بدأ يبتكر لغةً جديدة للمقاومة، لا تعتمد على الشعارات بل على السرد، الفن، الذاكرة، والوعي الرقمي. هذه ليست مجرد تفاصيل هامشية، بل بوادر تشكّل وعي جمعي جديد يعيد صياغة فلسطين كرمز للعدالة الكونية، لا كضحية دائمة.
إن الحرب التي غيّرت العالم لم تغيّرنا بالكامل، لكنها أيقظت فينا ما كان نائمًا. أعادت إلينا مرآتنا التي حطمناها بأيدينا. ولعلّ المهمة المقبلة ليست في انتظار انتهاء الحرب، بل في إعادة بناء الذات الفلسطينية على أساس مشروعٍ وطني تحرري جديد يتجاوز الانقسام، ويستثمر التحول الأخلاقي في العالم لصالح التحرر. فالتحرر لا يتحقق بالبندقية وحدها، ولا بالخطاب الأخلاقي وحده، بل بقدرة الوعي الجمعي على أن يصوغ مشروعًا يربط بين المقاومة والسياسة، بين الذاكرة والمستقبل، بين الدم والمعنى.
لقد غيّرت الحرب العالم فعلًا: غيّرت وعيه، لغته، معاييره. لكن التحدي الآن هو: هل سنكتفي بأن نكون رمزًا في وعي الآخرين، أم سنصبح مشروعًا في وعينا نحن؟ هل سنظل ضميرًا للإنسانية المقهورة، أم سنصير ذاتًا فاعلة تصنع تاريخها؟ تلك هي المعركة الحقيقية التي لم تبدأ بعد — معركة الوعي الذي لا يريد أن يبقى رهينة ذاكرة النكبة، بل يسعى لأن يكون فجرًا جديدًا بعد كل هذا الليل الطويل.
٨-٠٩-٢٠٢٥