في ذكري صدمات أغسطس1965: عبدالناصر وسيد قطب :صراع الدم والنار!
بقلم د.رفعت سيدأحمد
* أتذكر أنه في شهري ابريل ومايو 2013 كتبت دراسة علي خمس حلقات نشرتها جريدة (التحرير) المصرية وحملت عنوان :عبدالناصر والاخوان ..وختمت الحلقةالخامسة والاخيرة من الدراسة بهذة الكلمات :إن حال مصر اليوم (2013) تحت حكم الإخوان وتيارات الإسلام السياسى ، ينبىء أننا أمام احتمالات صدام وفوضى ، وهو صدام محتمل ،مع (الجيش) المصري العظيم الذي ينحاز دوما ينحاز لخيارات الشعب وقواه الناصرية والليبرالية أو المدنية على اتساعها ، وهو خيار الدولة المصرية المعتدلة فى إسلامها وثقافتها وسياستها .
* إن أزمتى أكتوبر 1954 ، وأغسطس 1965 ، من المحتمل جداً تكرارها اليوم (2013) ولكن بالمعنى العكسى أى أن يبادر الحكام الجدد (وهم هنا الإخوان وبعض تيارات الإسلام السياسى) بالصدام مع القوى المدنية على اتساعها وتنوع فصائلها ؛ ولكن الثمن هذه المرة سيكون دامياً، لأن مصر اختلفت ، سواء فى الاتساع الجغرافى أو السكانى أو القيم السياسية والاجتماعية أو فى الجرأة على كسر المحرمات السياسية والوطنيةمن الاخوان ومن شاكلهم . . إن الثمن سيكون فادحاً ) * ووقع الصدام فعلا ..وحدثت ثورة 30 يونيو وطبعا لم نكن نرجم بالغيب ولكنه البحث العلمي والتاريخي الرصين الذي ينبئنا فيه التاريخ دوما بأنه من الجائز أن يتكرر في بعض وقائعه خاصة مع قوي تكفيرية وإرهابية لا تتعلم من دروس هزائمها الماضية ولن تتعلم من دروس الحاضر ؛لذلك سقطت وتكرر مع سقوطها مآسي الماضي وهي مآسي من الدم والنار والفوضي التي لاتستطيع تلك الجماعات الارهابية العيش بعيدا عنها .ولكي نستفيد من خبرات الماضي وفي ذكري صدام 1965 الشهير (والتي بدأت وقائعه وصدرت أحكامه في مثل هذا الشهر :أغسطس) بين دولة عبدالناصر والاخوان بقيادة سيد قطب نسجل هنا بعض الحقائق لعلها تفيد فيما نحن فيه من مواجهات مع تلك القوي المجرمة .
**
يحدثنا التاريخ أنه ومن متابعة وثائق فترة الصدام بين عبد الناصر والإخوان يلاحظ مدى الاتفاق العام – ولأول مرة – بين وجهتى نظر الإخوان المسلمين والنظام السياسى حول الإقرار بوجود تنظيم سرى يهدف إلى إعادة الإخوان المسلمين إلى الوجود ولا يعترف بقرار حلهم عام 1954 *
الإخوان يبررون إنشاء التنظيم السرى
الإخوان بقيادة سيد قطب يرتكنون فى القضية– وجود التنظيم – كذبا على أحقيتهم وإلى عدم شرعية الولاء لعبد الناصر ، بيد أن رواية النظام السياسى تختلف فى التفاصيل عما يقوله الإخوان ، فبالنسبة لموضوع وجود التنظيم ونشاطه يفسر عبد الناصر وجوده ومن ثم اكتشافه بقوله إنه : ” بعد أن رفضنا الأحكام العرفية منذ سنة وصفينا المعتقلات وأصدرنا قانوناً لكى يعودوا إلى أعمالهم ضبطت مؤامرة وسلاح وأموال وصلت إليهم من سعيد رمضان من الخارج وهذا دليل أن الاستعمار والرجعية بيشتغلوا فى الداخل ” .
إن كلام عبد الناصر هذا والمتعلق بضبط مؤامرة جديدة للإخوان ، ومن موسكو له دلالة مباشرة تتعلق – وفقاً للإخوان – بإرضاء السياسة السوفيتية من خلال اختلاق مؤامرة ، ويمثل هذا الرأى فى الغالب الإخوان المسلمون أو المتعاطفون معهم ، وأياً كان الأمر فعبد الناصر يحسم القضية هذه المرة من القاهرة حيث يروى البعض أنه عندما طبع كتاب ” معالم فى الطريق ” لأول مرة كان هناك اعتراض على طبعه بل إنه منع وعندما قرأ عبد الناصر مسودته اتصل بالمسئولين مؤكداً أنه لا مانع من طبعه ، وطبع الكتاب ، وبعد شهر كانت هناك معلومات أمام عبد الناصر بأن الكتاب يعاد طبعه فهل يسمح بإعادة الطبع فوافق على ذلك ، وتكرر الأمر بعد ذلك ثلاث مرات خلال ستة شهور وفى المرة الرابعة عندما سئل الرئيس عبد الناصر هل يعاد طبعه قال نعم يعاد طبعه ولكنى أعتقد أن هناك تنظيماً سرياً للإخوان المسلمين .
وبعد مرور عامين على أحداث الصدام يبرره عبد الناصر ، مؤكداً على فرضية وجود تنظيم حيث يقول : ” احنا اعتقلنا عدداً من الإخوان المسلمين بعد العمليات التى كانت موجودة من سنتين طبعاً ماكانش مفروض إن احنا هانعتقل هؤلاء الناس إلى الأبد ولكن كان المفروض إن احنا سننظر فى هذه الاعتقالات ، وكانت فيه بعض تقارير موجودة بالإفراج قبل العدوان ، وقبل النكسة ، ولكن طبعاً الظروف اللى اتحطينا فيها خلتنا نوقف أى إفراج ، ماكنش ممكن إن احنا نفرج ولكن أنا أشعر النهاردة إن وضعنا الداخلى يمكننا إن احنا نفرج وعلى هذا تصدق على الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين ، ومش حايفضل من المعتقلين إلا أعضاء الجهاز السرى والتنظيمات السرية المسلحة ” .
*
شمس بدران يؤكد
وعلى ذات المعنى ، معنى وجود تنظيم سرى للإخوان تتفق آراء المسئولين حول ذلك ، ويهمنا بالأخص شمس بدران ، الذى كان مسئولاً إبان وقائع الصدام الثانى على السجن الحربى ، وتتلخص رواية شمس بدران فى أن قضية الصدام مع الإخوان فى أغسطس 1965 ، لم تبدأ فى هذا العام بل سبقتها قضيتان مرتبطتان بها تماماً وهما قضية عبد القادر عيد عام 1963 ثم قضية حسين توفيق عام 1965 ، وملخص القضيتين وفقاً للرواية السابقة أنها كانت تتعلق بتنظيم شكله عبدالقادر عيد فى الجيش وضباط الصاعقة الذين كانوا تحت سيطرته المباشرة ويتولون فى ذات الوقت قيادة بعض الوحدات فى المشاة والمدفعية ، وبعد أن أتم عبد القادر عيد إعداد تنظيمه العسكرى بدأ يتصل بالإخوان لضمان التأييد المدنى عند وقوع الانقلاب ، فاتصل بعبدالعزيز كامل عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان ، ويؤكد شمس بدران أن التحقيق بشأن هذه القضية قد تم فى مبنى المخابرات العامة وأنه قد اشترك فيه .
أما القضية الثانية التى سبقت أحداث الصدام فيلخصها شمس بدران بقوله إن المباحث العسكرية قد وصلها أن عبد القادر عيد أحد أعضاء جماعة حسين توفيق قد طلب من أحد السائقين فى مديرية التحرير شراء صندوقين من القنابل اليدوية ، وكان لابد من الاهتمام بالأمر ، وخاصة أن هذه الجماعة معروف عنها اللجوء إلى أسلوب الاغتيال منذ أمين عثمان، ويروى شمس بدران أنهم كانوا فى سباق مع الزمن ” إما أن نسبقهم ونعتقلهم أو يسبقونا وينسفوا القاهرة ولا يمكن أن تكون هذه مجرد فبركة أو تلفيق ، فالأسلحة التى ضبطناها ، والرسوم الكروكية التى رسمها مهندسوهم موضحين فيها أماكن النسف تؤكد ذلك .
ويخلص شمس بدران من رواية القضيتين السابقتين إلى وجود تنظيم جديد للإخوان على صلة مسبقة بقيادات هاتين القضيتين ، ويؤكد أنه قد اعتقل خمسمائة شخص وأفرج عن مائة وخمسين متهماً ” ولو كنت ألفق الاتهامات لكان لدىّ الفرصة لإدخال الوفد فى القضية عندما أقحمت زينب الغزالى اسم فؤاد سراج الدين ” إذن ومن واقع الرواية الرسمية لعبد الناصر ولشمس بدران ، يتضح أن هناك تنظيماً سرياً مسلحاً للإخوان ، وهناك تمويل له من الخارج، وتحديداً من الإخوان المسلمين فى الخليج، وفى سوريا – سعيد رمضان – وتؤكد الحقائق أن هذا التنظيم لم يكن مؤثراً فى صدامه مع النظام السياسى بدليل الإفراج عن أغلب أعضائه بعد حرب يونيو 1967 ، وإن كان شمس بدران يرى عكس ذلك ، من أنه لو لم يسبق التنظيم لكان قد نسف القاهرة ، وقد يعود عدم احتلال الصدام الثانى بين عبد الناصر والإخوان المكانة الكبيرة فى اهتمام عبد الناصر إلى السرعة الملحوظة فى إلقاء القبض على أعضاء التنظيم ، وإلى الضعف الملحوظ فى بنائه الداخلى ، على العكس من أحداث الصدام الأول (1954)التى أرهقت النظام السياسى وكادت تودى بعبد الناصر ذاته ، ولكن على الجانب الآخر كان تأثير هذه الضربة على الإخوان المسلمين وسياستهم تجاه النظام الناصرى قاسياً ، وخاصة إذا قارنا ما حدث لهم من إجهاض مبكر وأعترافت تفصيلية تحت الضغط داخل السجن الحربى ، وهو ما تشير إليه روايات شمس بدران ، وكمال الدين حسين وعبد اللطيف بغدادى وحسن إبراهيم ، بالإضافة إلى روايات الإخوان أنفسهم .
فى هذا السياق نتذكر ما قاله محمد حسنين هيكل لاحقاً فى شهاداته على تلك الفترة من أن هذه الأحداث لو لم تجهض لكانت النتيجة وخيمة حيث مصر هى المستهدفة ، من الرجعية والاستعمار وإسرائيل ، وضرب مصر هو أكبر انتصار لهم (الأهرام بتاريخ 8/4/1966) .
*
الرأى الرسمى للأزهر فى منهج التنظيم ، الرد على كتاب معالم فى الطريق
لاستكمال الصورة العامة لأحداث الصدام الثانى ، تجدر الإشارة إلى وثيقة تاريخية هامة أعدها الشيخ/محمد عبد اللطيف السبكى ، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر بناء على طلب شيخ الأزهر وقتئذٍ حسن مأمون وقدم تقريراً إليه يرد فيه على كتاب سيد قطب بعنوان : معالم فى الطريق ” الذى اعتبر يومها المنهج العام لفكر التنظيم الجديد ويؤكد التقرير على عدة أمور منها :
أ – إن الأسلوب الذى صيغ به الكتاب أسلوب استفزازى يهيج مشاعر القارىء الدينية خاصة إذا كان من الشباب أو البسطاء ومؤلفه ينكر أول ما ينكر وجود أمة إسلامية منذ قرون طويلة ومعنى هذا أن عهود الإسلام الزاهرة ، وأئمته وأعلام العلم فى الدين ، فى التفسير والحديث والفقه ، وعموم الاجتهاد ، جميعاً كانوا فى جاهلية وليسوا من الإسلام فى شىء حتى يجىء إلى الدنيا سيد قطب .
ب – أن المؤلف يدعو دعوة مكشوفة إلى قيام طليعة من الناس ببعث جديد فى الرقعة الإسلامية وأنه تكفل بوضع معالمها حين يقول ” لابد لهذه الطليعة التى تعتزم هذه العزمة من معالم فى الطريق ، لهذه الطليعة كتبت معالم فى الطريق ” .
ج – أن المؤلف يؤكد على مقولة ” الحاكمية لله ” وهذه كلمة قالها الخوارج قديماً وهى وسيلتهم إلى ما كان منهم فى عهد الإمام على ، من تشقيق الجماعة الإسلامية وتفريق الصفوف ، وهى الكلمة التى قال عنها الإمام على ” إنها كلمة حق أريد بها باطل ” فالمؤلف يدعو مرة إلى بعث جديد فى الرقعة الإسلامية ثم يتوسع فيجعلها دعوة فى الدنيا كلها ، وهى دعوة على يد الطليعة التى ينشدها والتى وضع كتابه هذا ليرشد بمعالمه هذه الطليعة ، وليس أغرب من هذه الخيالية وهى نزعة تخريبية يسميها طريق الإسلام ، والإسلام كما هو اسمه يأبى الفتنة ولو فى أبسط صوره ، وما معنى الحاكمية لله ؟ هل يسير الدين على قدمين بين الناس ليمتنع الناس جميعاً عن ولاية الحكم ؟ أو يكون المثل لله فى الحكم هو شخصية هذا المؤلف ، إن القرآن نفسه يعترف بالحكام المسلمين ويفرض لهم حق الطاعة علينا كما يفرض عليهم العدل فينا ويوجه الرعية دائماً إلى التعاون معهم .
د – والمؤلف عندما يطالب أن يقوم المجتمع المسلم أولاً ، ثم توضع النظم والشرائع ، ينكر وجود مجتمع إسلامى وينكر وجود نظام إسلامى ، ويدعو إلى الانتظار فى التشريع حتى يوجد المجتمع المحتاج إليه ، ويبدو أن المؤلف شطح شطحة جديدة ، فزعم لنفسه الهيمنة العليا الإلهية فى تنظيم الحياة الدنيا حيث يقترح أولاً هدم النظم القائمة دون استثناء وطرد الحكام وإيجاد مجتمع جديد ثم التشريع من جديد لهذا المجتمع .
هـ – وبعد التفصيل والرد على الجوانب الأخرى فى كتاب سيد قطب يخلص التقرير إلى عدة نتائج هامة : فالمؤلف – سيد قطب – إنسان مسرف فى التشاؤم وينظر إلى الدنيا بمنظار أسود ، وأنه استباح باسم الدين أن يستفز البسطاء إلى ما يأباه الدين من مطاردة الحكام ، مهما يكن فى ذلك من إراقة الدماء والفتك بالأبرياء وتخريب العمران وترويع المجتمع ، وتصدع الأمن وإلهاب الفتن فى صورة سيئة ولا يعلم مداها غير الله وذلك هو معنى الثورة الحركية التى رددها فى كلامه ، ويرى التقرير أيضاً أنه إذا ربطنا بين دعوة سيد قطب وبين الأحداث المعاصرة ، ونظرنا إلى ذلك الاتجاه فى ضوء الثورة المصرية ، وما ظفرت به من نجاح باهر فى كل مجال من مجالات الحياة وضح لنا أن الدعوة الإخوانية ، دعوة مدسوسة على ثورتنا باسم الغيرة على الدين ، وأن الذين تزعموا هذه الدعوة أو استجابوا لها إنما أرادوا بها النكاية للوطن والرجوع به إلى الخلف ، وتلك هى الفتنة الكبرى .
هذا عن الرد الرسمى للنظام السياسى الناصرى على المنهج الفكرى للإخوان المسلمين جاء من الأزهر
*
الحصاد
حكم بالإعدام في هذه القضية علي كل من سيد قطب ويوسف هواش وعبد الفتاح إسماعيل، ونُفذ حكم الإعدام في صباح التاسع والعشرين من أغسطس من العام 1966 وحكم بالإعدام على 4 آخرين خفف عنهم الحكم إلى المؤبد وهم : علي عبده عشماوي – أحمد عبد المجيد عبد السميع – صبري عرفة الكومي – مجدي عبد العزيز متولي، كما صدرت أحكام بحق باقي المتهمين بدأت من عشر سنوات حتى الأشغال الشاقة المؤبدة.وهذة الاحكام تكفي للرد علي تهويلات الاخوان وكتبهم العديدة التي حاولت أن تصور أن العشرات منهم قتلوا والالوف سجنوا وعذبوا ووهو الامر غير الصحيح والمنافي تماما لوثائق التاريخ وحقائقه.
يونيو 1967 ، وإن كان شمس بدران يرى عكس ذلك ، من أنه لو لم يسبق التنظيم لكان قد نسف القاهرة ، وقد يعود عدم احتلال الصدام الثانى بين عبد الناصر والإخوان المكانة الكبيرة فى اهتمام عبد الناصر إلى السرعة الملحوظة فى إلقاء القبض على أعضاء التنظيم ، وإلى الضعف الملحوظ فى بنائه الداخلى ، على العكس من أحداث الصدام الأول (1954)التى أرهقت النظام السياسى وكادت تودى بعبد الناصر ذاته ، ولكن على الجانب الآخر كان تأثير هذه الضربة على الإخوان المسلمين وسياستهم تجاه النظام الناصرى قاسياً ، وخاصة إذا قارنا ما حدث لهم من إجهاض مبكر وأعترافت تفصيلية تحت الضغط داخل السجن الحربى ، وهو ما تشير إليه روايات شمس بدران ، وكمال الدين حسين وعبد اللطيف بغدادى وحسن إبراهيم ، بالإضافة إلى روايات الإخوان أنفسهم .
فى هذا السياق نتذكر ما قاله محمد حسنين هيكل لاحقاً فى شهاداته على تلك الفترة من أن هذه الأحداث لو لم تجهض لكانت النتيجة وخيمة حيث مصر هى المستهدفة ، من الرجعية والاستعمار وإسرائيل ، وضرب مصر هو أكبر انتصار لهم (الأهرام بتاريخ 8/4/1966) .
*
2021-09-02