الأخيار والانتخابات المرتقبة!
د احمد الأسدي.
بغض النظر عن ماهية وشرعية العملية السياسية العراقية بعد 2003 , والأساس التوافقي الذي بنيت عليه في ظروف غير طبيعية وشاذة فرضتها مرحلة غزو واحتلال العراق وتداعياتها الأمنية والسياسية والمجتمعية , وتحدياتها الوجودية بالنسبة للعراق ككيان سياسي ومجتمعي موحد ومستقل , لكن هذا لا يعني بالنسبة لنا أن نكون فوق إرادة الشارع العراقي الذي وجدت الأغلبية فيه إن هذه العملية السياسية هي الخيار الأوحد المشروع لبناء دولة المؤسسات الناهضة , حتى لو كانت على ركام صيرورة الحروب والحصار والغزو والاحتلال والإرهاب والتدخلات الخارجية وأجندتها , وهذا ليس تغير بالمواقف بالنسبة لنا مثلما قد يتصور البعض , بل لأننا ليس ممن تتوقف انسيابية الزمن عندهم ولاحركة التاريخ في حساباتهم الفكرية وإدراكهم للوعي والضرورات الوطنية التي يجب أن تتقدم على العواطف والتخندقات الحزبية والفئوية الضيقة .
ركام الحروب والغزو والاحتلال والواقع الذي فرضته تلك الظروف على العراق كدولة وشعب ,لا تغيرها خطابات السياسة الفارغة المحتوى والمعادة العبارات , ولا مقالات الإنشاء ألاجتراري المستهلكة مهما تعالى صراخ أصحابها ومروجيها , بل بحاجة إلى نهوض بالوعي المبني على خطى حركة التاريخ وانسيابية الزمن المتجددة , وليس بالوقوف على أطلال الماضي والتحجر على قمم تناقضاتها والقذف بحجارة الفشل والانهزامية على هذا الطرف أو ذاك, في غاية إجهاض أي دور وطني يمكن أن يولد , سواء من رحم ممارسة انتخابية أو رحم دعوات إصلاحية تطلع فيها جهات سياسية رسمية أو شعبية في الشارع .
الخلافات بين فرقاء العملية السياسية سواء كانت في العراق أو في أي دولة يمارس شعبها الحق الانتخابي , مهما ارتفعت سقوفها تبقى ظاهرة أكثر من صحية , وفيها دلالة على تطور في وعي الشارع , حيث تعدد الرؤى يوسع دائرة الاختيار عند الناخب وبالتالي الارتقاء بالعملية الانتخابية , ووضع عمليتها السياسية المتعثرة أو المختلف عليها على الطريق الصحيح , وبما يرسم خطوط التقاء وطنية على اقل تقدير عند نقطة شروع متفق عليها من الجميع .
أن يراهن ( مُجتري ) الثوريات البائسة على الاختلافات والخلافات بين القوى والتيارات والأحزاب السياسية المشتركة في الانتخابات المرتقبة أو الممتنعة أو المنسحبة لتحقيق شيء من أوهامهم وإعادة بعضا من مصداقيتهم ( هذا إن كانوا يمتلكون شيء منها ) التي سقطت إلى الحضيض عندما وضعوا بيضهم كله في سلة فوضى ( تشرين ) التي ركلها الأخيار من العراقيين بأقدامهم وقبروا مشروع فتنتها في مهده بعد أن فاحت رائحة إجرام وعمالة وارتباطات محركيه في الخارج وأدواته في الداخل ولم يبقى منها سوى شعارات يجترها البعض على مواقع التواصل الاجتماعي ومجاميع ( الواتس آب ) وغرف المحادثات الصوتية على الانترنت , فهذا دليل قطعي على قصور في رؤيتهم للأحداث وعدم قدرتهم على قراءة الواقع العراقي مثلما هو وليس مثلما هم يحلمون ويتمنون من جانب , ومن الجانب الآخر تثبت حقيقة إنهم لازالوا يعيشون على عتبة بوابة عقلية وثقافة ( الحرس القديم ) حيث توقفت انسيابية الزمن وحركة التاريخ عند حدود أرنبة أنوفهم .
المشكل في دعوات مقاطعة الانتخابات إنها تصدر من مسميات تعيش في الخارج ولا يربطها بالعراق سوى الشعارات والخطابات الفارغة التي عفا عليها الزمن ومن أغوات الترف الفكري المغلف بشعارات الوطنية المجردة من وطنيتها والغير قادرين على تحمل المسؤولية الأخلاقية في لحظات بعينها تفرض على الجميع ومهما اختلفت منابعهم وارتفعت سقوف تبايناتهم أن يكونوا في خندق العراقي البسيط الذي يبحث له عن خلاص من الواقع الذي فرضته عليه مجبرا لا مخيرا تحديات داخلية وخارجية , لأنهم قد قضوا طوال سنيين عمرهم مجرد أدوات تهديم وليس أصحاب مشاريع بناء .
تحريض الشارع الشيعي على عدم الذهاب إلى الانتخابات والاستقتال في دعوة أبناء المحافظات الوسطى والجنوبية على عدم المشاركة فيها دون غيرهم من السنة والأكراد في المحافظات الغربية والشمالية يؤكد المغزى الحقيقي من وراء هذا التحريض وهذه الدعوات المفضوح أمرها التي لا تخرج عن دائرة استهداف المكون العراقي الشيعي واستغلال السذج وأصحاب الغرض فيه والتي لا تختلف عن سابقتها في تحريض نفس الشارع على التظاهر والفوضى والحرق والتدمير والقتل دون غيرهم من مكونات الشارع بل والأقبح التفنن بإيجاد التبريرات والتخريجات لعدم دعوتهم وتشجيعهم وتحريضهم على التظاهر أو ما يسمونه ( الثورة ) في مناطقهم ومحافظاتهم .
التجربة الانتخابية وممارستها سواء اتفقنا أو اختلفنا معها جمعا أو بجزئيات التفاصيل تحديدا , تبقى هي البوابة الوحيدة التي يمكن للشارع العراقي الولوج عبر مصراعيها للتغيير والتصحيح , وكل من يراهن بخلاف ذلك فهو ليس حالم وواهم أو مغيب عقل , وإنما نقولها بصراحة , إنه صاحب غاية مركون في زاوية من زوايا الماضي ولازال يعيش في عقلية دهاليزه حيث توقفت عنده حركة وانسيابية التاريخ والزمن .
ناشط مجتمعي عراقـي
2021-08-28