مُتغيرات السياسة الأمريكية في المنطقة هـزيمة أم تكتيـك!
د احمد الأسدي*
شرف الخصومـة في أخلاقهـا
مصداقية المعلومة في ثقل كفة ميزانها
سياسات الدول الكبرى ومشاريعها لا تتحكم فيها الأهواء وانفعاليات ومزاجية أصحاب القرار مثلما هي سياسات دول منطقتنا , حيث غزو واحتلال العراق وقبله أفغانستان أمريكيا , من العبث الاعتقاد إنه نتاج ما يسمى بأحداث سبتمبر وأسلحة الدمار الشامل المزعومة وارتباط نظام الراحل صدام حسين بالقاعدة والإرهاب , وإن كانت أحداث سبتمبر تحديدا هي بمثابة جسر العبور الذي أتخذ صاحب القرار في واشنطن منه طريقا للوصول إلى ما مُخطط له سلفا واليد التي أزاحت الغطاء عن حقيقة النوايا والأهداف الأمريكية في المنطقة أولا والعالم ثانيا .
الوجود الأمريكي الذي طفا فوق ماء الوجود البريطاني والفرنسي الذي سبقه , ليس وليد مرحلة ما بعد 2003 مثلما يحاول الكثيرين أن يصوروا واقع الحال , ويرموا تبعية مسؤولية هذا الوجود على شخص الراحل صدام حسين تحديدا وسياسات النظام السياسي العراقي جمعا , و يتمنطقوا بموضوعة ( احتلال الكويت ) وما يسموه بخطئها الاستراتيجي وخطيئتها الكبرى التي جاءت بالأمريكان وجيوشهم وحلفاءهم للمنطقة , فأمريكا بقواعدها العسكرية وأساطيلها السياسية ومعسكراتها الاقتصادية متواجدة في محمياتها البترولية في الخليج والدويلات والمشيخات التي اصطنعها حلفاءها البريطانيين والفرنسيين واستملكتها منهم لاحقا , وهي ليس بحاجة للمجيء إلى مياه الخليج الدافئة إلى إذن من أحد , ولا إلى مبرر وحجه تتخفى وراء ستارها , ولكن الذي يتحكم بمستوى وطبيعة التواجد العسكري وحجمه ويضبط إيقاعاته هي طبيعة المناخ الدولي السياسي وضرورات لحظاته التاريخية التي ترسم ملامح مصالح الأمن القومي الأمريكي السياسية والاقتصادية والعسكرية ومعطياتها , لذا نرى الخط البياني لحجم وطبيعة هذا الوجود يرتفع وينخفض حسب ما تفرضه عليهم استراتيجيات الحفاظ على مصالحهم وديمومة هيمنتهم على مقدرات شعوب المنطقة , وتوجيه تطلعاتها بما يتناغم مع توجهات واشنطن وتل أبيب تحديدا .
غبي ومُغفل كل مَنْ اعتقد إن أمريكا قد انسحبت من العراق وفق ما سمي باتفاقية الإستراتيجية الأمنية في زمن حكومة المالكي ,والأغبى من لازال يعتقد إن أمريكا يمكن أن تتخلى عن العراق وتنسحب منه على الطريقة الأفغانية اليوم , مثلما احتفى مقتدى الصدر ورهطه عندما حاول بطريقة غبية ومفضوحة أن يسوق ( مصطفى الكويظمي ) على الشارع العراقي لولاية وزارية جديدة , وفي نفس الوقت يغازل الإدارة الأمريكية ويقدم لها أوراق الطاعة من خلال مباركته ومديحه وثناءه على دور ( الكويظمي ) في انجاز ما أسماه مهمة إخراج القوات الأمريكية القتالية من العراق بحلول نهاية 2021 , فالسياسية الأمريكية سواء اتفقنا معها أو اختلفنا ومثلما أسلفنا في بداية سطورنا ,لا يثنيها عن استراتيجيات مشاريعها أو يغير من أولويات مصالحها شخص بوزن ( الكويظمي ) الذي كان لسفير واشنطن في بغداد الدور الأول في تنصيبه رئيس لوزراء العراق في غفلة من زمن شاذ أغرق الأمريكان فيه العراقيين بوحل التناقضات والإخفاقات وفقدان اتجاه بوصلة الهوية الوطنية والأخلاقية ,عندما أودعوا قراره بيد مقتدى صدر وعمار حكيم وهادي العامري ومسعود برزاني ومن هو على شاكلتهم .
ضرورات السياسات الأمريكية في سباق صراعها مع الصين الصاعدة وتحديات النهوض الروسي أوجب عليها إعادة تشبيك خرائط وجودها في العالم عموما والمنطقة تحديدا .
إعادة تشبيك الخرائط لا يعني إقرار بالهزيمة العسكرية أو إخفاق في الوصول إلى ( رواقم ) قمة مشروع مرسوم بقدر ما إنه تكتيك الضرورات المحسوب والمسيطر على مخرجاته , حيث مع كل زوبعة ما يسمى بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان لازالت الأجواء الأفغانية يهيمن عليها الطيران الأمريكي ,الذي ينفذ مهامه في أي وقت وأي مكان يشاء , ولازال المستشارين السياسيين والعسكريين الأمريكان في كل مفاصل الدولة الأفغانية وإن تغيرت مسمياتهم وعناوينهم الرسمية .
الحديث عن انسحاب أمريكي من العراق على الطريقة الأفغانية ليس مُزحه سمجة وحسب مردودة على أصحابها , بل يقين جزم , أما بغباء مطلق لمن يصدقها ( هذا إذا كانت قد انطوت عليه المُزحة وصدقها بحسن نية ), أو إنها قمة الدناءة والانحطاط والانحراف اللا أخلاقي الذي اختاروه طريقا لهم المصدقين لها في غاية تسويقها على بسطاء الشارع من باب التذاكي الغبي والاستخفاف بالعقول و مغازلة الأمريكان من جانب , ومن جانب آخر نوع من الدعاية الرخيصة والسخيفة لإعادة تدوير ( الكويظمي ) رئيسا للوزراء على غرار تغريدة ( مقتدى صدر الضغينه ) الرخيصة التي غازل فيها الأمريكان عبر بوابة عميلهم ( الكويظمي ) , حتى قبل أن يطلع على المحضر الرسمي لهذا الاتفاق المزعوم .
الإبهام والإيهام والتدليس والتلاعب على المفردات والرهان على تغيير المسميات هذا هو صلب وجوهر نتائج ما يسمى بحوار حكومة بغداد مع واشنطن والذي تكلل ببيان لا تنطلي سطوره إلا على الأغبياء ,وهو لا يكرس التواجد الأمريكي فقط بل يذهب أبعد من ذلك بشرعنته ,حيث الهيمنة على الأجواء العراقية والاحتفاظ بقواعد عسكرية محمية بحصانات أممية مستنده إلى قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بما يسمى بالتحالف العسكري الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية , الذي هو صيرورة تاريخية للمجاهدين الأفغان العرب الذين أسستهم أمريكا بأموال سعودية وخزين استحماري وهابي لمواجهة الاتحاد السوفيتي السابق في افغانستان , مثلما اعترفت هيلاري كلينتون بذلك علانية بجلسة استماع في إحدى لجان الكونغرس الأمريكي , و تطور الأمر لاحقا إلى القاعدة مروا بأنصار الإسلام والجهاد والتوحيد والقاعدة في بلاد الرافدين وولاية الأنبار ودولة العراق الإسلامية انتهاء بـ ( داعش ) .
لعل الأخطر من تواجد 2500 جندي أمريكي في قواعد عسكرية يمكن تتبع تحركاتها ونشاطاتها بل حتى من السهولة التصدي لها عسكريا عندما تقتضي ضرورة المواجهة في رئينا , هـي موضوعة المستشارين العسكريين والاستخباراتيين والاقتصاديين والثقافيين الذين يتم الزج بهم في مفاصل الجيش والمخابرات والأجهزة الأمنية والوزارات والمؤسسات الرسمية وشبهه الرسمية في الدولة حسب ما تضمنته وثيقة بيان ما يسمى بالحوار العراقي الأمريكي تحت ذريعة مراقبة النشاطات الإرهابية ومحاربتها , حيث تغلغل كل هؤلاء في مفاصل الدولة وفي النسيج المجتمعي العراقي يفوق خطورة الجنود المقاتلين المتواجدين في قواعدهم العسكرية , فالحروب الناعمة بأدوات خفيه أخطر من جعجعة الحروب العسكرية .
ناشط مجتمعي عراقـي*
drahmadalasadi@gmail.com
2021-07-31