تدوير زوايا الصراع العربي لمصلحة مَنْ !!!
وهل إيران عدو وجودي أم جار وجودي ؟؟؟
د احمد الأسدي.
مقدما وحتى لا يتشابه البقر عند ( المتأسرئيلين ) الجدد فيضيع عليهم أمره , مثلما ادعى السابقين وتحججوا على سيدنا موسى , نجد لازما توضيح وتقويم حالة سوء فهم قد تكون عابرة نتيجة عدم معرفة أو مقصودة من باب خلط الأوراق في غاية الإيهام تتعلق بماهية الصراع التاريخي والصراع الوجودي بين الأمم والشعوب والحضارات , بدلا من رمي الأمور على عوامتها كما يحلو لهؤلاء اللعب على حباله .
الصراع التاريخي هو حالة حرب باردة تتدحرج كرتها من صراع مصالح تنافسي اقتصادي إلى ثقافي وحضاري , وصولا إلى منحدرات التحارب العرقي والديني والذي قد ترتفع خطوط منحنياته البيانية أحياننا إلى حدود الاصطدام العسكري والحروب المباشرة , وفي أحيان أخرى وهي الغالبة , يبقى هذا الصراع والعداء في حدوده الدنيا التي تتحكم فيها سياقات اللحظة التاريخية ( جغرافية المكان والزمان والعوامل المحيطة المستجدة المؤثرة ) , ولكنه لم ولن يرتقـي يوما وفي أي حال من الأحوال إلى تحدي الإلغاء الوجودي للآخر , وهذا ما يفرقـه عن الصراع الوجـودي المبني في أصله على الإلغاء للآخر و اجتثاثه من جذوره بالاحتلال والتشريد والقتل , والبناء على الأنقاض من دون وضع اعتبار إلى أي وازع إنساني أو أخلاقي , وهذا هو أخطر الصراعات والعداءات وأقذرها , لذا من الغباء والجهالة وعدم الإنصاف مقاربة هذا الصراع مع أي عداء آخر مهما كان مسماه والجهة المقابلة فيه .
السؤال الآن , في أي كفه من كفتي ميزان الصراع التاريخي والصراع الوجودي نضع واقع حال الصراع العربي الفارسي من جهة والصراع العربي الصهيوني من جهة أخرى , اللذان هما اخطر الصراعات وأهمها في عصرنا الراهن , على ضوء تعريفنا لماهية الصراع التاريخي والوجودي ؟
الصراع أو العداء التاريخي بين العرب والفرس والذي كان ولا يزال العراق وشعبة تحديدا يدفع فواتيره ليس وليد مرحلة تاريخية بعينها , وإنما قد سبق الإسلام بشوط وقد أخذ طابعا آخر بعد الإسلام وتحديدا بعد دخول الفرس للإسلام وتشيعهم لاحقا في العهد ألصفوي للدولة الفارسية , لكنه لم يكن في أي حال من الأحوال صراعا إلغائي وجودي ,حيث لم يجتث الفرس العرب من الوجود لا على ارض الواقع ولا حتى في تنظير أدبياتهم , والعكس صحيحا أيضا , فالعرب لم يبتلعوا الفرس يوما أو حتى يفكروا بطمس هويتهم القومية وانتماءهم العرقي , وبقي الصراع في حدود منحنيات الصعود تارة لحد التقاتل والهبوط تارة إلى مستوى تطبيع العلاقات بل وإلى ابعد من ذلك من خلال التحالفات والتفاهمات الآنية و الإستراتيجية التي تحفظ لطرفي المعادلة مصالحهم , ولنا في حرب ألثمان سنوات بين العراق وإيران أقرب وأوضح مثالا يمكن الاستدلال فيه لقراءة ماهية الصراع التاريخي العربي الفارسي وطبيعته وحدوده .
على الجانب الآخر من معادلة الصراعات نرى ونعيش واقع الصراع العربي الصهيوني أو كما يسميه البعض المعتدل من العرب بـ ( الإسرائيلي ) يتعدى خطوط حدود خرائط الجغرافية , ويجسد بالواقع قبل التنظير ماهية الاحتلال الوجودي القائم على اجتثاث شعب من جذوره وقتله وتشريده من أرضه وطمس هويته , بل والذهاب إلى ما هو أبعد من حدود فلسطين والجولان وأجزاء من الجنوب اللبناني برسم خارطة دولته العبرية ( إسرائيل الكبرى ) بحدودها من الفرات إلى النيل .
وعليه أيهما الأخطر علينا الصراع التاريخي العربي الفارسي أم الصراع الوجودي العربي الصهيوني ؟ ولمصلحة مَنْ تدوير زوايا الصراع العربي الصهيوني وأولوياته وجعل بوصلة هذا الصراع باتجاه إيران تحت عناوين التدخلات الإيرانية في العراق والمنطقة ؟ وهل إيران الفارسية هي التي دفعت الأموال لإدامة الحصار على العراق بعد 1991 ؟ وهل هي التي فتحت أراضيها ومطاراتها وموانئها وخزائنها وأقامت إمبراطوريات إعلامية كانت مهمتها شيطنة نظام الراحل صدام حسين وبالتالي تراقصت على وقع قصف صواريخ وطائرات العدوان والغزو الأمريكي 2003 ؟
نـعـم إيران دولة لها مشروعها القومي الفارسي , ولها مصالحها الإقليمية والدولية التي تقاتل من أجل الحفاظ عليها ,وفي نفس الوقت لها أذرعها وحلفاءها في المنطقة وهذا الأمر ليس خافيا على أحد , وصاحب القرار الإيراني لا يجد أي حرج بإشهاره على الملأ بل الأبعد من ذلك التبجح والتفاخر بذلك , ولكن في نفس الوقت إيران لم تأتي بأحد من اجل احتلال العراق ولم تفتح أراضيها ولا مطاراتها ولا موانئها ولا سماءها لقوى غزو وعدوان مثلما فعل أبناء عمقنا العربي الذي يذرف البعض اليوم دموع التماسيح تباكيا عليه , و أيضا إيران لم تعارض احتلال أمريكا للعراق أو تعد الدولة العراقية قبل 2003 بأنها ستحارب أمريكا معها إذا ما نفذت تهديداتها بغزو واحتلال العراق وتغيير نظامه الوطني , حيث صاحب القرار الإيراني ليس بهذا الغباء الذي يجد فيه عدوه التاريخي في مأزق حتى ( ينتخي ) لإخراجه منه , ولو إن الآية نزلت معكوسة وكانت إيران هي المهدد بالغزو والاحتلال من قبل أمريكا لتصرف نظام الراحل صدام حسين ذات التصرف الذي عملت عليه طهران ووقف على التل ليرى غريمه التاريخي يغرق في مستنقع أزماته .
أن تملأ إيران الفراغ الذي أحدثه زلزال الغزو والاحتلال الأمريكي وانهيار مؤسسات الدولة العراقية العسكرية والأمنية المدوي والذي فاجئ الجميع وخلق حالة من الفوضى من خلال دعمها لحلفائها من الأحزاب والجماعات السياسية والعسكرية الشيعية شيء أكثر من الطبيعي والمنطقي في لحظة تاريخية بعينها وتحت ضغوط سياقات زمنية لا مفر منها , والذي يتحمل مسؤولية ذلك أولا وأخرا ليس إيران بل الغازي الأمريكي ومعه جميع الدول والمسميات التي مولت ودعمت وحشدت ودفعت فواتير هذا الغزو , والذي يحاول أن يبيض صفحة الغازي و المحتل الأمريكي توابعه من وجوه العرب والأعراب المتآمرين على العراق طوال صيرورة وجوده على حساب التدخلات الإيرانية التي جاءت كنتيجة طبيعية لهذا الاحتلال وعرضا جانبيا لإمراضية الغزو والعدوان , إنما يوهم نفسه قبل إيهامه للآخرين وعليه أن يمتلك الشجاعة ويحرر ذاته من ثقافة دفن الرأس في الرمال والتخفي وراء الأصابع ,فالأمس ليس ببعيد والعراقيين ( يعرفون منو هو الحرامي و منو إلي سطا عليهم ) .
في كل مره استمع مِن أو أقرأ عن بعض الأصوات الدعية للبعث والبعث منهم براء , أو أولئك الذين يتباكون على النظام الوطني العراقي السابق ويذرفون دموع النفاق وهم الذين كانوا في ركب المحرضين والمتآمرين والراقصين على جراحه وجراح العراق , وخصوصا الذين كانوا منهم أذلاء أدلاء حاملي بندقية غادره كردية انفصالية عتادها إيراني شاهوي وصناعتها أمريكية صهيونية رافعي شعارات ( الكفاح المسلح ) , على إن إيران هي العدو الأول لنا كعراقيين وعرب ومسلمين قبل الصهاينة المحتلين لمقدساتنا وأراضينا الإسلامية والمسيحية , يتأكد لي ماهية خطورة ما يريده الصهاينة والأمريكان وأدواتهم العربية الرخيصة , و تعود ذاكرتي لما نبه إليه الراحل صدام حسين وحذر منه وصحح مساره أبان الحرب ألثمان سنوات مع إيران وتحديدا في السنة التي احتلت فيها إيران الفاو وأجزاء من الأراضي العراقية على محاور الجبهات , حيث شهدت تلك الفترة لغطا وهمزا ولمزا في داخل منظومة الحزب العليا ومفاصل الدولة العراقية الإعلامية والثقافية والتربوية وقطاعات مجتمعية بعينها تثقف الشارع وخصوصا في المدارس والمنظمات الطلابية والشبابية على إن عدو العراق والعرب والمسلمين الأول هو إيران , وحالما وصل كل هذا اللغط إلى مسامع الراحل صدام حسين والذي كان بمقدوره ( وبجرة قلم ) وقصاصة صغيرة من سكرتيرة الشخصي ( ليلصم ) كل الأفواه ويسكت كل تلك الألسن ,وبالرغم من انشغالاته على مدار الساعة في إدارة الدولة عموما والإشراف على المعارك ومتابعة مجرياتها على جبهات القتال لحظة بلحظة , لكنه اختار أن يوصل الرسالة إلى الجميع في داخل منظومة الحزب والدولة ومؤسسات المجتمع المدني ,وفي نفس الوقت ليسمعها العرب والصهاينة قبل الفرس , بلسانه صوتا وصورة , حتى لا يدس متقول ويدعي ذو غرض , حيث ذهب بزيارة تفقدية إلى احد المدارس الابتدائية في حزام بغداد ( والحليم تكفيه الإشارة ماذا يعني حزام بغداد ) وجلس مع طلاب احد الصفوف وطرح عليهم سؤال محددا لا غير !!!
مـن هو عدو العراق والعرب والمسلمين الأول ؟؟؟
كالعادة وكلنا نتذكر كيف يتزاحم طلاب الصف للإجابة على التساؤل من قبل المعلم فكيف إذا هو تزاحمهم للإجابة عليه عندما يكون طارح السؤال هو شخص الراحل الرئيس صدام حسين , حيث كانت أصواتهم تتعالى ,, بين ( سيدي سيدي سيدي ) وهم رافعين أياديهم وبين آخرين خانهم ارتباكهم ( استاذ استاذ استاذ )
وعندما اختار الرئيس الراحل أحدا منهم للإجابة ,جاء الجواب ومثلما تم تثقيف الطلاب والشارع عليه في حينه ( إن إيران هي عدو العراق والعرب والمسلمين الأول ) ,وهذا الجواب في طبيعة الحال لم يفاجئ الرئيس صدام حسين لأنه كان يتوقعه استدلالا لما وصل إلى مسامعه من لغط مقصود لتدوير زوايا الصراع مارسته جهات كان بعضها في حلقات الدولة والحزب المهمين
ولكن الرد المقابل من قبل الراحل صدام حسين كان صادما للطالب وزملائه في الصف , وكان كالسيف على رقاب أصحاب الأغراض والأدعياء الذين كانوا وراء محاولات تدوير زوايا الصراع بقوله للطالب وبطريقته المألوفة !!
…. نعم إيران نحن معها الآن في حرب , ليس لأنها عدونا الأول , وإنما بسبب سياسات وطموحات قادتها و حكامها الحالين الغير خيرين المعادية لنا , لكنها تبقى دولة جارة لنا معها مصالح مشتركه وعلاقات تاريخية , ويبقى عدونا الأول والوجودي هو الكيان الصهيوني المصطنع ( إسرائيل ) الغاصب لأرضنا العربية في فلسطين والجولان ولبنان والمدنس لمقدساتنا الإسلامية والمشرد لشعبنا الفلسطيني .
نذكر هذه الحادثة اليوم ليس لأننا بصدد الدفاع عن إيران وسياساتها , فمثلما أسلفنا في المقدمة إن إيران دولة قومية لها مشروعها ولها مصالحها ومن الطبيعي أن تضع أمنها القومي بل مجالاته أولا وقبل كل شيء وإنما لتصحيح مفاهيم وتقويم مرحلة أصبح فيها خلط المفاهيم ثقافة وحنكة سياسية , وفي نفس الوقت لتذكير الأدعياء بإفلاسهم أمام أحقية المنطق أمام باطل التدليس .
ناشط مجتمعي عراقي*
drahmadalasadi@gmail.com
2021-07-03