في يوم الأسير العالمي.. للفلسطينيين قصة مغيبة!

بقلم بكر السباتين..
يُحيي الفلسطينيون في 17 أبريل من كل عام “يوم الأسير” الذي يصادف اليوم.. للتعبير عن معاناة الأسرى الفلسطينيين وكشف الممارسات الإسرائيلية المخالفة للمواثيق الدولية ومنها اتفاقية جنيف للعام 1949.
وتم اختيار هذا اليوم،عام 1974، من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، خلال دورته العادية.
ويستمر الاحتلال الإسرائيلي، بشكل يومي، في اعتقال الفلسطينيين، وانتهاك حقوق نحو 4500 أسير في سجونها، بحسب تقارير حقوقية.
صحيح أن هذه الأرقام هي مجرد استنطاق لمحتويات ملف الأسرى في الدوائر الفلسطينية أو الإسرائيلية المعنية بشؤونهم، والتي تبين حجم المأساة رقمياً؛ ولكن وراء كل رقم، قصة إنسان حي أهدرت حقوقة الأساسية وامتهنت كرامته على رؤوس الأشهاد وصودر رأيه. فهذا هو الجانب الأعمق في قضية الأسرى المربوطة بالقضايا التي أسروا لأجلها.. وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.. والذي يزج بالأحرار الفلسطينيين في السجون مستنكراً حقوقهم كأسرى حرب وفق اتفاقية جنيف، بل يمعن بامتهانهم، ويعاملهم كأنهم دون البشر من حيث التعذيب الوحشي والإهمال الطبي والعزل الإنفرادي، وتغييب الحقيقة عن الإعلام المحايد. وإعادة اعتقال بعض الأسرى المحررين بعد الإفراج عنهم بأيام كما حدث مع الأسير الفلسطيني المخضرم رشدي أبو مخ بعد قضاء خمسة وثلاثين عاماً في سجون الاحتلال.. والتضييق على أهالي الأسرى والإمعان في إذلالهم! أو الإفراج عنهم بعد أن يصابوا بعاهات مستديمة كما حدث مع الأسير الفلسطيني المحرر منصور الشحاتيت الذي اعتقل في الحادي عشر من مارس عام 2014 وصدر آنذاك بحقه حكم بالسجن سبعة عشر عاماً، بتهمة طعن أحد المستوطنين في مدينة بئر السبع المحتلة.. وتنقل في سجون الاحتلال بين عنابرها وزنازينها الانفرادية وأفرج عنه مؤخراً وكان فاقداً لذاكرته بسبب تعرضة للضرب بالهروات على الرأس في إحدى الاحتجاجات التي قام بها السجناء في سجن نفحة الصحراوي؛ لم يكن بوسعه التعرف حتى على أمه؛ لكنه تذكر فلسطين التي أخلص لها وظل يردد بفخر بأنه خرج بكرامة وإباء، ولم يذله السجن ما أغاظ سجانيه.
وخلافاً للمواثيق الدولية، تقوم وحدات القمع الإسرائيلية، باقتحام غرف السجون وتنكل بالأسرى من أجل خلق حالة من الإرباك والقلق الدائم وسط المعتقلين.
هذا ما قاله قدري أبو بكر، رئيس هيئة شؤون الأسرى، التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي أضاف قائلاً:” إن الأسرى في السجون الإسرائيلية يعيشون ظروفاً صعبة، وسط تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية بحقهم” وأضاف بأن مصلحة السجون “تزيد من انتهاكاتها بحق الأسرى في المناسبات الوطنية والدينية” وخاصة يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف اليوم.
وبحسب معطيات لنادي الأسير الفلسطيني (غير حكومي)-بتصرف- ، يعتقل الاحتلال الإسرائيلي 4500 فلسطيني في 23 سجناً ومركز توقيف وتحقيق، بينهم 41 سيدة، و140 قاصراً، و440 معتقلاً إدارياً (دون محاكمة).. أما أعداد الأسرى المرضى، فقد وصل حتّى العام 2021 إلى 550 أسيراُ. وهناك 25 أسيرا تم اعتقالهم منذ ما قبل اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير والاحتلال الإسرائيلي، (عام 1993)، أي أنهم قضوا-على الأقل-أكثر من 28 عاماً في الاعتقال. كما مضى على أسر 62 أسيراً، أكثر من 20 عاما.
ومن بين الأسرى، وفق نادي الأسير، 543 أسيراً يقضون أحكاما بالسّجن المؤبد (99 عاما حسب القانون العسكري الإسرائيلي) لمرة واحدة أو عدة مرات، بينهم الأسير عبد الله البرغوثي المحكوم بالسجن 67 مؤبدا.
ولم يتجاهل التقرير تعرض السجناء للقتل حيث استشهد 226 أسيراً داخل السجون، منذ العام 1967.. منهم: 75 أسيرًا استشهدوا نتيجة القتل العمد، و 73 جراء التعذيب، و7 بعد إطلاق النار عليهم، و71 نتيجة سياسة الإهمال الطبي. والأنكى أن السلطات الإسرائيلية تمتنع عن تسليم جثامين 7 أسرى لذويهم، على رأسهم الشهيد أنيس دولة، الذي استشهد في سجن عسقلان في العام 1980.
البيانات تؤكد بأن الكيان الإسرائيلي يعامل الأسرى الفلسطينيين كمجرمين وتجردهم من حقوقهم كأسرى حرب يتمتعون بحقوق كفلتها المواثيق الدولية.
وللتذكير، فقد توالت الجهود من جانب المجتمع الدولي عبر مراحل متعاقبة بغرض تطوير حقوق الأسرى والتوسع في الحماية المكفولة لهم، وقد تجسد ذلك من خلال اعتماد عدة اتفاقيات ولوائح، بدءاً باتفاقيات لاهاي (1899-1907)، وكذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949 بالإضافةإلى البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.
وعليه فانطلاقاً من الممارسة الدولية التي هدفت إلى تطوير قواعد حماية الأسرى تم تكريس مبدأين أساسيين، المبدأ الأول يتجلى في أن الأسر خلال الحرب ليس بغرض العقاب أو الانتقام خلافاً لما يحدث في السجون الإسرائيلية التي لا تتمتع بالشروط القانونية للأسر؛ بل الهدف منه هو الحجز الوقائي. أما المبدأ الثاني فيقضي أن أسير الحرب يقع تحت مسؤولية الدولة الحاجزة وليس أفراد القوات المسلحة التي احتجزته.. لذلك يجب ممارسة ضغوط دولية على الاحتلال الإسرائيلي لتطبيق بنود المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الأسرى.
إن هؤلاء الأسرى، ليسوا مجرد أبناء للوطن المغيبين الذين أدرجوا في قوائم وأرقام مجردة، بل هم أيقوناتٌ الحرية ورموزٌ تشعُ في قلوبنا طاقةً إيجابيةً وهم مبعثٌ للعزةِ والكرامةِ والإباء.. هؤلاء أسرى الحرب، الذين ينتظر شعبهم عودتهم إلى بيوتهم بصحة وعافية. من هنا لا بد من تضافر الجهود والضغط على الاحتلال بشتى السبل القانونية للتواصل مع المنظمات الحقوقية، والإعلامية من خلال المواقع الإعلامية المتاحة والتواصل إعلامياً مع أهالي الأسرى، وتوظيف العلاقات الدبلوماسية مع الدول والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان والسجناء على صعيد عالمي من خلال المراسلات الرسمية أو اللقاءات الثنائية أو إقامة المؤتمرات الوجاهية أو عبر تطبيق زوم؛ من أجل تحقيق العدالة لهم وفق المواثيق الدولية التي أقرتها اتفاقية جنيف وضمان حصولهم على المعاملة الحسنة والعادلة في ظل ظروف إنسانية وصحية ملائمة؛ لذلك جاء “يوم الأسير الفلسطيني” لتعزيز هذه المفاهيم ومن ثم إيصال رسائل الأسرى من قلب غياهب سجون الاحتلال إلى العالم الحر.. والتذكير بالاتفاقيات الدولية التي تنتهكها دولة الاحتلال الإسرائيلي، وضمان معاملتم كأسرى حرب حيث تم اعتقالهم أثناء اشتباكهم مع جيش الاحتلال الإسرائيلي بشكل أو بآخر، منذ عام 1948الذي شهد احتلال فلسطين، مروراً بالحروب والانتفاضات المتعاقبة.. حتى يومنا هذا الذي تعيش فيه القضية الفلسطينية في وهن شديد انعكس سلبياً على قضية الأسرى.
17 أكتوبر 2021