ماذا يجري عند الحدود اللبنانية السورية؟
د.علي.أ.مطر.
تعد المساعدات الغربية الأمريكية البريطاني للجيش اللبناني، أحد أخطر الملفات التي تسعى واشنطن عبرها للسيطرة في لبنان، وجعله أداة طيعة لها، لتستطيع من خلال نفوذها داخل المؤسسة العسكرية تحقيق أهداف عدة، على رأسها حفظ أمن كيان العدو الإسرائيلي، ونشر قواتها على الحدود مع سوريا تحت غطاءات متعددة، فضلاً عن تحقيق أجندات داخلية تتعلق بإدخال الجيش اللبناني بمواجهة مع المقاومة. تركز واشنطن وحلفاؤها حالياً على تقديم المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، وذلك لتحقيق مصالح معينة من خلالها. ومن خلال البحث في المساعدات الأمريكية العسكرية للجيش اللبناني بطريقة أكثر دقة، نجد أن الإدارة الأميركية عندما تسلح الجيش اللبناني تسلحه بشكل لا يكون قادراً فيه على مواجهة “اسرائيل”، فضلاً عن تحويله الى جيش داخلي يضبط حدوده، ويقوم بالإشراف على مراقبة الشريط الحدودي اللبنانيـ السوري.

ثمة حركة مريبة أميركية بريطانية جرت وتجري على الحدود الشرقية للبنان، بتغطية مدنية أحياناً، وأحياناً اخرى عبر مراكز تدريب أو دعم للجيش اللبناني، أو عبر إهداء لبنان أبراجا لوضعها على الحدود اللبنانية السورية أو عبر إعطاء لبنان مدرعات جديدة لنشرها على الحدود، وفي كل مرة تساق تبريرات جديدة للقيام بجولات أمنية عبر هذه الحدود. ويبدو أن زيارة السفيرة الأميركية لبلدة غزة البقاعية لم تكن خارجة عن هذا السياق، خاصةً أن منطقة البقاع الغربي تكتسب أهمية جيوبوليتيكية تتمثل في تشكيل المنطقة طوال فترة الحرب السورية خطوطا أمامية في النزاع وعلى مستوى نسبة النزوح، كما ان المنطقة قريبة نسبياً من الحدود الجنوبية حيث النزاع مع العدو الاسرائيلي.

أولاً: مشروع الأبراج البريطاني

بدأ مشروع الأبراج البريطاني لمراقبة الحدود الشرقية عام 2009، حيث بدأ الجيش اللبناني بدعم بريطاني بتشكيل أربعة أفواج لمراقبة الحدود، وتم تشكيل فوج الحدود البرية الأول، ومهمّته الأساسية مكافحة التهريب على الحدود بين لبنان وسوريا في منطقة الشمال، ومقرّه شدرا. وفي عام 2011، بدأ تشكيل فوج الحدود البريّة الثاني، ومقرّه رأس بعلبك، لضبط حركة التهريب في الحدود الشمالية الشرقية. وكذلك جرى تشكيل فوج الحدود البرية الثالث ومقرّه الحالي أبلح، وينتشر بين شمال منطقة المصنع وجنوبها، وصولاً إلى راشيا.

عام 2012 قررت بريطانيا بناء أبراج على الحدود، وأُحضرت قبب الأبراج الثلاثة الأولى من بريطانيا، وهي من مخلّفات القوات البريطانية في إيرلندا الشمالية، أما الأبراج الأخرى، فبدأ تصنيعها في لبنان بإشراف بريطاني. حتى أول آب/ أغسطس 2014، تاريخ اجتياح إرهابيي «داعش» و«جبهة النصرة» بلدة عرسال، كانت بريطانيا قد أنشأت 12 برجاً للجيش، تمتدّ من شدرا، وصولاً إلى عرسال، ووصلت في ما بعد إلى حدود 80 برجاً، إلا أن هذه الأبراج لم تحم الجيش اللبناني حينها.

وقد كشفت صحيفة “التايمز” البريطانية في تقرير لها عن إرسال بريطانيا دعما عسكريا إلى لبنان لمساعدته ـ بحسب زعمها ـ في حراسة حدوده مع سوريا. وأعلنت وزارة الحرب البريطانية مؤخراً وصول 100 عربة عسكرية مدرعة من نوع “لاند روفر” إلى لبنان، لضمان أمن الحدود مع سوريا. وأضافت الوزارة أن هدف تزويد لبنان بهذه الآليات المدرعة، يشمل بشكل أساسي “الدفاع عن حدوده مع سوريا”. وتبلغ قيمة المدرعات 1.5 مليون جنيه إسترليني (مليوني دولار) وهي من نوع “Land Rover RWMIK”.

إلى ذلك، ساهمت بريطانيا في تدريب نحو 11000 جندي على العمليات العسكرية في المناطق المأهولة ونحو 7000 في العمليات الحدودية، ثم إنها أنفقت أكثر من 60 مليون جنيه إسترليني على تدريب وتجهيز فوج الحدود البرية التابع للجيش اللبناني، ويشمل ذلك بناء 39 برج مراقبة على الحدود، و37 قاعدة عمليات متقدمة على طول الحدود.

ثانياً: الدور الاميركي

بلغت قيمة المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بين العامين 2006 و2016 حوالي مليار ومائتي مليون دولار أميركي، شملت: أسلحة، معدات، صيانة، قطع بدل وتدريب، لكن لا يتلقّى الجيش عادةً مساعدات ماديّة بشكل مباشر، باستثناء ما يقدّمه برنامج FMS Foreign Military Sales وهو كناية عن مبلغ سنوي تتراوح قيمته بين 70 و150 مليون دولار أميركي، تخصّصه الولايات المتحدة الأميركية للجيش اللبناني بهدف تزويده بالأعتدة والتدريب.

وهناك برامج مساعدات أميركية أخرى منها ما هو سنوي كبرنامج (2282)، الذي يقوم باختيار نوعيّة الأسلحة والمعدات المطلوبة، بعد دراسات تحدّد حاجة الجيش اللبناني بموافقة من الولايات المتحدة الأمريكية بعد إجراء استطلاع رأي ميداني في القطع والوحدات.

إلى ذلك، هناك برنامج IMET International Military Education and training السنوي، المخصّص للتدريب. ويتمّ التحضير حاليًا للبرنامج 1226 الذي يهدف إلى دعم الوحدات المنتشرة على الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا، بالغذاء والألبسة وتصليح الآليات، إضافة إلى تحصين المراكز ومصروف المحروقات وغيرها.

ثالثاً: تقاسم الأدوار

نعود للحديث عن تقاسم الأدوار المتعلقة بمراقبة الحدود، عبر القوات البريطانية الأميركية، التي تقوم مقام القوات المتعددة الجنسيات، ففي حين بات القسم الأكبر من الحدود الشرقية بقبضة الجيش، وتحديداً في المنطقة الواقعة شمال نقطة المصنع الحدودية مع سوريا، وتمتد على أكثر من 100 كيلومتر، بقيت المنطقة الواقعة في جنوب نقطة المصنع بمنطقة البقاع الغربي، متفلتةً، علماً بأن هذه المنطقة لم تُثبَّت فيها أبراج المراقبة البريطانية بعد. وتُوصَف المنطقة بأنها خط التهريب الفاعل في هذا الوقت، ومن هنا تأتي الزيارة المفاجئة التي قامت بها السفيرة الأمريكية في لبنان دوروثي شيا ومعها قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي على حين غرّة الى بلدة غزة في البقاع الغربي تحت زعم تفقّد بئر مياه تغذي بلدة غزة نُفّذت وشُغّلت منذ أكثر من سنتين. وهنا ما يجعلنا نطرح السؤال هل أن افتتاح بئر مياه لقرية تستدعي وجود قائد القيادة الوسطى الأميركية الجنرال كينيث ماكينزي؟

لا شك أن هناك أجندة مختلفة للبريطانيين والأميركيين عن أجندة الجيش، ولا شك أن الجيش يقوم بواجبه في حماية الحدود، بينما يريد الغربيون من هذا المشروع تثبيت الفصل الجغرافي والسياسي بين لبنان وسوريا، وفصل المسارات السياسية والعسكرية بين البلدين عبر رصد طرق إمداد المقاومة وحصارها، وتحويل الجيش اللبناني إلى جيش من القوات الخاصة التي تفكّر في مكافحة الإرهاب فقط، على غرار الجيش الأردني وقوات البيشمركة في إقليم كردستان، وحرف الجيش عن قتال “إسرائيل”.

ويبدو جلياً، أن المساعدات التي تقدمها واشنطن للجيش اللبناني لا تساوي شيئًا مقابل أهداف السيطرة التي تطمح أميركا لها في لبنان، والتي تعتبر هذه المساعدات إحدى السياسات التي تريد اميركا تعزيز سيطرتها من خلالها وذلك بتكاليف زهيدة. لكن حتى الان فشلت واشنطن في تغيير الاستراتيجية الوطنية للجيش اللبناني، ولم تتمكن من أن تحوله إلى أداة لقمع الشعب وإدخال لبنان في حرب أهلية، فالعقيدة الوطنية التي يتمتع بها الجيش اللبناني تجلعه حصناً للوطن إلى جانب الشعب والمقاومة.
‎2021-‎03-‎23