المدير الشاذ!
ابو زيزوم.
عندما يستفحل الفساد كما هو الحال عندنا يصبح غريباً العثور على مدير مخلص ونزيه . ينظر اليه الناس كجسم غريب منفصل عن الواقع ، كأنه متخلف من عصر قديم او سابق لعصر لم يحن . ومع ذلك لا تخلو الحياة من الغرائب والشواذ . لقد عرفتُ مديراً كبيراً على رأس مؤسسة عملاقة مترامية الاطراف تتوزع أجزاؤها في كل أنحاء البلاد . يقودها بحزم وصرامة تطال أبعد موظفيه فتراهم يحسبون الف حساب قبل ان تغويهم الدناءة على الارتشاء او سرقة المال العام .
تصافحك همّته العالية كلما اقتربتَ من إحدى دوائره على شكل لافتات منتصبة بثبات مكتوب عليها بخط لا لبس فيه ( كلا كلا للفساد ، نعم نعم للنزاهة ) . وخلافاً لما يُفترض في مثل ظروفنا لم يقم بشراء اللوحات المعدنية بالمال على حساب الدائرة وانما جمعها من مخلفات الحرب المنتشرة في كل مكان . حصل عليها بالمجان ، وتبرع المعجبون بسيرته النظيفة تبرعوا له بالأصباغ ولوازم الخط دون مقابل ، وتداعى خطاطون حاذقون من مناطق متفرقة دعماً لسمعته العطرة وشكلوا فريقاً متفانياً راح يجوب خارطة انتشار هذه الدائرة يخطّون آلاف اللوحات من كلا كلا للفساد . وهب البناؤون وأصحاب اللحيم لتثبيت اللوحات في مواقع بارزة وبصورة جذابة تبشر بأن خلف هذا الليل فجراً أبلج . هذا مع ان السيد المدير احتسب اللوحات المعدنية على فواتير الدائرة بخمسين دولاراً للّوحة الواحدة ، وللخطاط عشرة دولارات ، ومثلها للحداد ، واُخرى لصب الأسمنت على قواعدها ، ورابعة لمواد وأدوات الخط ، وخامسة إكرامية . فبلغت الكلفة النهائية لكل لوحة مئة دولار فقط . وبما ان العدد الإجمالي للوحات سبعة آلاف يصبح المبلغ الكلي كلا كلا للفساد …
( ابو زيزوم _ 1018 )