الفساد في العراق..!
ظاهرة فريدة.
ابو زيزوم.
يختلف الفساد في العراق عنه في أي بلد آخر من حيث انه قرار استراتيجي متخذ من أعلى سلطة في الدولة . جميع دول العالم فيها مقادير من الفساد تتفاوت بين دولة واُخرى . بعضها مستشرٍ كما هو الحال عندنا ، لكن لا توجد دولة يمارس فيها الفساد برعاية أعلى السلطات . هناك دول كثيرة حكامها الأعلون فاسدون ينهبون هم وحواشيهم الا انهم يحاسبون غيرهم اذا سرق ، فهم لا يريدون للبلد الذي يحكمونه ان تعمه الفوضى والخراب رغم فسادهم . وحده العراق مرفوع فيه القلم عن السراق مهما كانوا وأيّاً كانوا .
قد يعترض احد الأصدقاء لمعرفته بأشخاص كثيرين سجنوا او هربوا وآخرين ما زالت تلاحقهم إجراءات النزاهة والمحاكم ، وهذا ليس موضوعنا . لا نتحدث عن موظف عادي اختلس مبلغاً وطبق بحقه القانون . نتحدث عن الوزراء ورؤساء الكتل وقادة الأحزاب عندما يجلسون ليتقاسموا مليارات الدولارات وكأنهم شركاء في مصلحة يتحاسبون .
مر على العراق زمن كان فيه الشرطي البسيط اذا نال درهماً رشوة يخجل ان يخبر بذلك زوجته ويبقى ضميره يؤنبه الى ان يموت كأنما قتل نفساً او زنى . واليوم يظهر نائب على احدى الشاشات يقول انه أخذ مليوني دولار رشوة من احد الفاسدين !. المصيبة ان هذا النائب ليس معدوداً بين كبار الفاسدين وانما هو من الدرجة الثانية او الثالثة . والمصيبة الاخرى ان الادعاء العام لا يرى في هذا الاعتراف سبباً وجيهاً لتحريك دعوى ، فالاعتراف الذي هو سيد الأدلة يمر مرور الكرام . وعندما لا يكون الاعتراف الشخصي بارتكاب الفساد قضية قضائية يفقد الشهود والوثائق والأدلة المعنى القانوني .
ترى شخصاً كان قبل 2003 يعمل سائقاً او موظفاً صغيراً ثم فجأة يقفز الى رتبة ملياردير . ولأن النجاح في أقصى سرعته لا يستطيع بلوغ هذه المرتبة في بضع سنين يصبح السؤال التلقائي (من أين لك هذا) مطروحاً بألف لسان الا لسان الدولة والسلطات . وكثيرون من هؤلاء لا يتورعون عن الإجابة الصادقة بفخر واعتزاز انهم حصلوا على تلك الاموال من الباب غير الشرعي.
هل ان القضية برمتها مجرد تدهور اخلاقي غزا المجتمع كالجراد ؟. انا لست من الناس الذين يعزون الظواهر الاجتماعية الى عامل واحد … هناك دائماً عوامل عديدة تتضافر للتأثير على حركة المجتمع سلباً او إيجاباً . إنما يكون لبعضها تأثير متفوق على البعض الاخر . ولقد ذكرنا في المنشور الماضي ( محاولة تحليل …) واحداً من العوامل المهمة في تنامي الظاهرة ، ونتحدث في المنشور التالي عن عامل آخر لا يقل أهمية .
( ابو زيزوم _ 976 )
2021-01-19