قراءة في المبادرة الفرنسية!
بقلم: يحيا حرب.
1-زيارة الرئيس الفرنسي الى لبنان كشفت بؤس النخب السياسية وتهافت مشاريعها، اكثر مما كانت تعبيرا عن قوة ونفوذ فرنسا او حنكة رئيسها.
الواقعية السياسية الغربية ولغة المصالح كانت الاساس فاصطدمت بسياسة الاحقاد واسقاطات الاماني التي طغت على سياسات الاحزاب اللبنانية اخيرا.
2-ماكرون لم يهادن حزب الله ولم يعقد معه صفقة كما يتوهم البعض. ماكرون يعرف حدود القوة التي لديه وموازين القوى في لبنان. هو يبحث عن انتصار يعيد لفرنسا دورها المفقود في المنطقة. لذا كان عليه ان يقرأ المشهد بواقعية بعيدا عن النزعة التآمرية الصهيونية التي تسيطر اليوم على السياسات الاميركية.
3-كلا فرنسا لم تتغير موقعيتها في المعسكر الغربي. ولا تخلى رئيسها عن جذوره ومصادره العقائدية وقيمه الاستعمارية. وابتعاده عن المشروع الصهيوني الذي تنفذه اميركا في لبنان لا يعني التصادم مع واشنطن وتل ابيب. هو يسلك خطا موازيا وليس تصادميا لحسابات مصالح وموازين قوى بعيون واقعية.
4-ماكرون يعرف ان هناك طرفا واحدا يستطيع ان يقول له قف لو اراد. هذا الطرف هو حزب الله من موقعه القوي واستقلاليته ونظافة كفه. الاخرون لا يستطيعون ذلك لعدم استقلالية قرارهم وارتكاباتهم. لذا فقد كان على الرئيس الفرنسي ان يرسم خطته بواقعية تتجنب المساس بالمقاومة او التحايل عليها.
5-ماكرون يبحث عن النجاح والمصالح والاستفادة القصوى من الخلل والضعف في النظام السياسي والانهيار الاقتصادي في لبنان. اميركا هي التي احدثت الفراغ والخراب ولكنها لم تكن قادرة على اعادة بناء التركيبة بسبب ارتهانها للمشروع الصهيوني وسياساتها اللاواقعية بالمفهوم الغربي ذاته.
6-ماذا يعني ذلك؟ يعني ان حزب الله نجح في تسييل جزء من قوته في حسابات السياسة الداخلية اللبنانية. المعادلات السياسية على الساحة اللبنانية وضعت الغرب امام حائط مسدود: المشروع الاميركي يعني تدمير لبنان في ظل العجز عن مواجهة المقاومة مباشرة والفشل في عزلها عن حاضنتها!
7-حزب الله باستثماره جزءا من قوته استنزف الهجوم الاميركي بسرعة قياسية. وبينما استخدمت الصهيونية الاميركية كل رصيدها واحتياطي القوة لديها تقريبا، نجح حزب الله في تحييد المقاومة من السجال، واعتمد فقط على صلابة حاضنته الشعبية وتكتيكاته السياسية الناجحة التي عبرت عنها اطلالات امينه العام.
8-قوة حزب الله الشعبية لم تعد محل نقاش. ولم يعد باستطاعة الواقعية الغربية ان تتجاهلها. وجماهير المقاومة اضافت الى عناصر القوة لديها الوعي والبصيرة مقابل التهريج السياسي، واسفاف الخطاب الاعلامي، واللاأخلاقية وكل اساليب الحرب الناعمة التي تبنتها الصهيونية الاميركية في استراتيجية الربيع المشؤوم.
9-لم تدخر الصهيونية اي قوة لدى كيان الاحتلال والانظمة الخليجية الرجعية ومؤسسات النظام الطائفية والمالية والاقتصادية والتدخل الاميركي المباشر، حصارا واعلاما وديبلوماسية وتهديدات عسكرية وامنية وجماعات ارهابية. ولو كانوا يستطيعون شن الحرب وتفجير لبنان لفعلوا. لكن خوفهم فاق وحشيتهم.
10-حزب الله احبط كل ذلك. فأسقط الحصار المالي والاقتصادي بثغرة التوجه شرقا. واجهض الفتنة الداخلية بوعي الحاضنة الشعبية. وفضح اساليب التضليل بوضوح الخطاب والرؤية السياسية. ورد على سياسات التجويع باستراتيجية تغيير البنية الاقتصادية فاضطرت واشنطن للتراجع النسبي حرصا على ادواتها المالية.
11-يمكننا ادراج عشرات الامثلة في هذا السياق: من اللغة السوقية لثوارالشارع وتحويل الاحتجاجات الى قطع طرق وارهاب الى مكر الدعوات للحياد والتدويل الى فبركة الخطاب الاعلامي والجرائم الميدانية. وصولا الى بؤس وتعفن الطبقة السياسية والقسم الاكبر من النخبة الثقافية والاعلامية.
12-البعض كان يعتقد ان المقاومة هي قوة عسكرية متفوقة! وهي كذلك ولكن ليس ذلك فقط. لذا فقد فوجئوا بالفشل لانهم بنوا حساباتهم على احقاد ورؤى عمياء. المقاومة لم تستخدم قدراتها العسكرية البتة. ولا استجابت لاستفزازات تسخين الجبهة الداخلية باتجاه الحرب الاهلية. ولم تهتز رؤيتها للعلاقة بين المحلي والاقليمي في الصراع.
13-كل هذه العوامل مهدت الطريق امام الزائر الفرنسي. كان عليه ان يأتي بسرعة لانقاذ النظام المتهالك. ان يوقف ادوات الهدم والتخريب ويمنع الانهيار الشامل. لذا فقد اصطدم بالقوى الحليفة: بأدوات المشروع الصهيوني الاميركي. فلم يقترب من سلاح المقاومة بل دعا الى تغيير النظام لاسترضاء جمهورها.
14-ماكرون ليس متواطئا مع حزب الله. وليست هناك صفقة. ولا فرنسا غيرت تموضعها في معسكر الامبريالية الغربية. ولا حاجة لنا لتوصيفات جديدة. ماكرون دعا الى تغيير النظام ليمنع التغيير الثوري. ولبنان الذي يتخوف وزير الخارجية الفرنسي من زواله هو لبنان النظام والصيغة الطائفية المرتهنة.
15-لبنان الوطن لا يزول وتغيرات الجغرافيا السياسية لم يحن وقتها بعد، والحدود بين الدول والشعوب لا تزال خطوطا حمراء. فالنظام الاقليمي يترنح ولكنه لم يسقط بعد. ومن هنا فان المبادرة الفرنسية ليست في اطار الهجوم بل هي خطوة الى الوراء وتراجع الى موقع دفاعي افضل.
16-مراكز البحث الفرنسية تدرك ان زوال لبنانها يعني ولادة لبنان المقاومة. وحده حزب الله يملك القدرة التنظيمية والسياسية لجر قاطرة التغيير واعادة بناء لبنان. محاولات خلق قوى بديلة في الشارع ترفع شعار الثورة فشلت. منظمات المجتمع المدني وفلول الاحزاب كانت اضعف من التستر على محركات الفتنة.
17-ولا شك ان ماكرون استفاد من: فشل الانقلاب الاميركي على موازين القوى في لبنان. وتحول ادواته الى خطر على نفسها وعلى موقع لبنان ودوره في الاستراتيجية الغربية، بما يشبه فشل الاعتماد على الارهاب في المنطقة. وانشغال الماكينة الصهيونية بالانتخابات الاميركية وهاجس خسارة ترامب.
18-ولكن يبقى السؤال: لماذا وافق حزب الله على ملاقاة ماكرون في منتصف الطريق؟ بصراحة ووضوح: لان المقاومة تدرك ان القوى الثورية البديلة غير جاهزة، ومشروع لبنان الجديد لم يتبلور بعد. وتدرك العلاقة الجدلية والعضوية بين المحلي والاقليمي. والمطلوب الان هو الاصلاح الذي يخدم مقاومة المشروع الاميركي.
19-استمرار المقاومة هو الشرط الضروري لأي تغيير ولأي نهضة ولأي تقدم. والسياسة هي فن ترتيب الاولويات. فالتغيير المنشود لا يتحقق بالرغبات او الشعارات الصادقة. والفعل الثوري يسرع الظروف ويوجه مسارها، بتحويل كل منها حتى الابتلاءات الى فرص. لكن القراءة الصحيحة للواقع ضرورية دائما.
20-من هنا فإن حكمنا على ما جرى حتى الان في لبنان أنه ايجابي، لأنه: عزز من قدرة المقاومة ومكانتها الاقليمية والدولية. فتح الباب لاصلاح نسبي محدود واحتمال تغيير بنيوي في النظام اللبناني. هزم المشروع الصهيوني الاميركي لجر لبنان الى مستنقع التطبيع والتبعية المطلقة للامبريالية.
21-ومرة اخرى نؤكد اننا في لبنان والمنطقة، لا نعاني من الفقر بل من النهب. ولا نشكو قلة الموارد بل الهدر وسوء الاستغلال. والفساد الحقيقي هو فساد الطبقة السياسية وتبعيتها وضعفها. ومن هنا مراهنتنا على المقاومة التي امنت الحماية والامن وباستطاعتها ان تكون الرافعة للتغيير وبناء الاستقلال الوطني.
22-هذه التجربة الثورية التي يخوضها اللبنانيون تشبه التجربة العراقية بعناوينها والتي تنتظر مآلا مشابها. وهي الوريث الطبيعي لحركة الشعوب نحو التقدم والحرية والسلام في مواجهة قوى النهب والاستعمار وسلب الهوية. اذ لا بديل عن المقاومة. وهي ربيعنا الحقيقي في هذه المرحلة لمواجهة الصهيونية العالمية.
23-ان من بديهيات الثورة تحديد العدو والتمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، بحيث لا تغرق في صراعات جانبية على حساب هدفها الاساسي المعبر عن مصالح الشعب. وحزب الله يفعل ذلك باستمرار لتصويب البوصلة ومنع قوى الثورة المضادة من خلط الاوراق وتضييع التضحيات الشعبية.
24-ان ما يعزز ثقتنا بالمستقبل بهذه المقاومة انها تواجه منفردة، تحالفا امبرياليا صهيونيا رجعيا، في مرحلة من الاستنفار الحاد والتغيرات العالمية الشاملة. وهي محلية مئة في المئة بقوتها وارادتها. وكل ما يبدو من علاقتها بالمحاور الاقليمية امر طبيعي وضروري نسبة الى ارتباط الواقع بالمحيط وما يفرضه من تحديات.
25-وما يهمنا في ذلك ليس الرد على محاولات التشويه والتضليل التي تثيرها القوى المعادية، بل لنؤكد على قدراتنا الذاتية كشعوب واننا نملك من القوة والشجاعة والصبر ما يؤهلنا لخوض معارك التحرير والتغيير. وهذا ما يقلق اعداءنا ويجعلهم يسعون لتوهين المقاومة والتشكيك في هويتها الوطنية.
عن مصالح الشعب. وحزب الله يفعل ذلك باستمرار لتصويب البوصلة ومنع قوى الثورة المضادة من خلط الاوراق وتضييع التضحيات الشعبية24-ان ما يعزز ثقتنا بالمستقبل بهذه المقاومة انها تواجه منفردة، تحالفا امبرياليا صهيونيا رجعيا، في مرحلة من الاستنفار الحاد والتغيرات العالمية الشاملة. وهي محلية مئة في المئة بقوتها وارادتها. وكل ما يبدو من علاقتها بالمحاور الاقليمية امر طبيعي وضروري نسبة الى ارتباط الواقع بالمحيط وما يفرضه من تحديات.
25-وما يهمنا في ذلك ليس الرد على محاولات التشويه والتضليل التي تثيرها القوى المعادية، بل لنؤكد على قدراتنا الذاتية كشعوب واننا نملك من القوة والشجاعة والصبر ما يؤهلنا لخوض معارك التحرير والتغيير. وهذا ما يقلق اعداءنا ويجعلهم يسعون لتوهين المقاومة والتشكيك في هويتها الوطنية
2020-09-02.