من ذكريات عبور النهر.ح3 !
ابو علاء منصور.
في الخيمة….
عاد الغوراني الطيب إلى المزرعة عند الظهيرة…. جاء حاملاً بيده كيساً، ألقى علي التحية وقال:
– تفضل، طعام بسيط.
قال ذلك وقطف خيارًا وبندورة وقدمها لي، فأكلت معها ما جلبه الرجل من جبنة بيضاء وزيتون.
قال الغوراني:
– مذ تركتك وانا افكر فيك، طالما انك لا تجيد السباحة، عليك ان تنتظر حتى شهر تشرين، حينها تخف مياه النهر ويصبح من المنطقي عبوره. وإلا فالموت طريقك لا محالة.
يا إلهي! ستة اشهر! ماذا افعل بهذه الأشهر الطوال؟! اين اقضيها؟ مم اصرف؟
وفيما واصل الرجل الحديث تخيلت نفسي أصارع مياه النهر بيأس. لا سبيل سوى المجازفة رغم منطقية ما قاله. فأنا شديد الإيمان بان الحياة وقائع نصنعها نحن بغض النظر عن الواقع، شيء عبثي ان نرهن مصيرنا للمنطق وحده، ونحن لا نستطيع الإحاطة بكل شيء، فنحن لنا حدود، والحياة ليست معادلات رياضية وكفى على أهمية المنطق بالطبع. فهناك ما ندركه وما لا ندركه او نخطئ في تقديره وتحليله، وهناك ما نتجاهله رغم خطورته وإدراكنا لذلك. لو ان المنطق هو الحكم لتوقف الكون عند حكم المستعمرين والطغاة، لما تهاوت الإمبراطوريات. فهؤلاء لا ينقصهم الذكاء. لكنه الغرور وما يحفل به الحكم من مصالح وامتيازات.
قلت للغوراني وقد استيقظت من شرودي:
-لا زلت مقتنعًا بعبور النهر الآن.
– طالما انك مصمم، اقترح ان تشتري رزمة البسة قديمة -باله- وتذهب بها إلى منطقة طبرية متظاهرا بيعها هناك. في تلك المنطقة لا يشكل نهر الأردن حدوداً فاصلة بين الأردن وفلسطين. النهر هناك يمر داخل الأراضي الفلسطينية. يمكنك تخطيه مشيًا على الأقدام، فوق (جسر بنات يعقوب)، حينها لا يبقى أمامك سوى نهر اليرموك. لكنك في تلك المنطقة تحتاج لحذر شديد، فحساسية المنطقة جعلت كثيرين من سكانها يرتبطون بالمخابرات.
بائع باله!! هذا صعب علي! لكن الجيد أن عقل الرجل بدأ يتحرك باتجاه البحث عن حل! بالاتجاه الذي اريد. لقد أضحى شريكي في تفريخ الأفكار. رجل شهم. لم يسألني عن اسمي او من أي بلد انا! أي جميل سأحمله له ان نجوت!
قبل الغروب ودعني الرجل ومشى. لم يدعني للنوم عنده، او يسألني اين سأنام. هل اعود إلى سيارة الخردة؟ ربما من الأفضل ان انام في الخيمة التي يحتفظ فيها المزارع بأدواته، او في ذلك البيت المهجور عند طرف المزرعة.
عدت لتصفح الجريدة بأعصاب اقل توتراً من الصباح …. تخيلت غازي يئن تحت التعذيب، ان المحققين يتناوبون تعذيبه بوحشية، محاولين انتزاع معلومات عني وعن رفاقنا في المجموعة…. الله يعينك يا غازي. ربما يعترف على جمال فهو يعرفه شخصيًا. وفي حال اعترف عليه ولم يصمد جمال فربما يعترف الأخير على خضر. هذه هي الثغرة الكبيرة في المجموعة، ان غازي يعرف جمال وجمال يعرف خضر. كنت ادرك ذلك، لكنه لم يكن بالإمكان تفادي الأمر ، فجمال وغازي عنصرا قوة المجموعة باعتبارهما رياضيان، ونجاح العملية يعتمد على القوة الجسدية بعد التخطيط الجيد والمفاجأة.
انتشرت العتمة وجاء وقت النوم….
سهلت مكانًا في احدى زوايا الخيمة، واتخذت من قطعة خشب وسادة. تمددت على الأرض دون ان اخلع حذائي وغفوت.
استيقظت فزعاً على حركة في طرف الخيمة البعيد! شيء يشبه انسياب أفعى! وليس هناك ما يخيفني في الحياة اكثر من الأفعى. انتفضت مذعوراً وألقيت بجسدي خارج الخيمة! توقفت بعيدًا! تطلعت إلى المنزل المهجور ثم توجهت اليه، وضعت طوبة تحت راسي، واستلقيت في الزاوية الشرقية بمحاذاة الجدار لعله يقيني البرد، ويحجبني عن سيارات الاحتلال التي تعبر الشارع
اكملت ليلتي هناك…..
إلى اللقاء في الحلقة الرابعة غدًا
مع تحيات ابو علاء منصور
2020-05-02