آليات تعديل الدستور العراقي!
الحلقة الثالثة /
المادة ١٤٢ المكسب الوهم والصفقة الخاسرة
عبدالرحمن اللويزي
*******************************
انتهينا في الحلقة السابقة، إلى أن المادة ١٤٢ من الدستور العراقي، وضعت إرضاءً لممثلي السنة في لجنة كتابة الدستور، في مقابل تغيير موقفهم الرافض له، ومن المفروض أن هذه المادة فتحت الباب للتعديلات الدستورية، بآلية استثنائية ،أسهل من الآلية الاعتيادية التي وضعت لتعديل الدستور في المادة ١٢٦ منه، فالأصل إذاً هي المادة ١٣٦ وهي الآلية الاعتيادية لتعديل الدستور، أما المادة ١٤٢، فهي الآلية الاستثنائية والتي ستفتح الباب للتعديلات الدستورية التي يتم بموجبها تدارك ملاحظات ممثلي السنة وغيرهم، حول الدستور، ووضع مسودة لتلك المقترحات، ينتهي العمل منها في سقف محدد وأجل معلوم هو أربعة أشهر.
هذا الأمر يفترض أن تعديل الدستور بالاعتماد على نص المادة ١٤٢ سيكون أسهل، فنحن نتحدث عن صفقة، غير فيها ممثلو السنة “الحزب الإسلامي” موقفهم من الدستور، ولابد أنهم حصلوا على ضمانات كافية، لإعادة النظر في القضايا الخلافية التي وردت فى الدستور؛ ومن المفروض كذلك أن تحاط تلك الآلية بضمانات كافية، تجعل تلبية مطالب ممثلي السنة في إجراء تعديلات دستورية بالاعتماد على تلك المادة “الصفقة”، أمراً ممكناً ومتاحاً، مع الأخذ بنظر الإعتبار السقف الزمني المحدد الذي تجري خلاله تلك التعديلات المفترضة.
والسؤال المحوري الذي يطرح نفسه بقوة هو “هل أن تعديل الدستور بالاعتماد على المادة ١٤٢ هو أمر ممكن وأسهل بكثير من إجراء التعديل بالاعتماد على الآلية الاعتيادية التي نصت عليها المادة ١٢٦؟ من حيث التوقيت الزامت المادة ١٤٢ مجلس النواب، بتشكيل لجنة التعديلات الدستورية في بداية تشكيله ووضعت سقوفاً زمنية محددة لخطوات وإجراءات التعديل على نحو ما سنبينه لاحقاً ، أما من حيث الآلية التي ستعتمد؛ فمع أن المادة ١٤٢ لم تشترط موافقة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب على مسودة التعديلات، أو موافقة 5/1 من أعضاء المجلس؛ لأن الآلية البديلة هي إسناد هذه المهمة إلى لجنة يشكلها مجلس النواب في بداية عمله، تضع مسودة مقترحة لتلك التعديلات المفترضة في مدة لا يتجاوز سقفها الأعلى أربعة أشهر من تاريخ تشكيل اللجنة، قبل أن ترفع اللجنة المشار إليها، مسودة تلك التعديلات المفترضة ،إلى مجلس النواب، الذي يصوت عليها دفعة واحدة – دون تجزئتها – ويكفي في تلك التعديلات المفترضة أن تحضى بتصويت الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، قبل أن تطرح للاستفتاء العام خلال مدة لا تزيد على شهرين من تاريخ إقرارها.
استثنت المادة ١٤٢ تلك التعديلات المفترضة من كافة القيود التي وردت في المادة (١٣٦) حيث نصت على أنه (يستثنى ما ورد في هذه المادة، من أحكام المادة (١٣٦) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة.
كل الكلام الذي مر يبدو جميلاً وواضخاً وممكن التطبيق، مادام حرر نص المادة ١٤٢ من القيود التي جاءت بها المادة ١٢٦، وما دامت قد وضعت سقوف زمنية، لتشكيل اللجنة ولفترة عملها وللسقف الزمني الذي سيكون مجلس النواب ملزماً به لطرح التعديلات للاستفتاء. لكن كل هذه المكاسب النظرية التي جاءت بها تلك المادة “الصفقة” تم الالتفاف عليها بنص صغير، يفرغها من مضمونها ويجعل وجودها يشبه عدمه.! حيث جاء فيها ما نصه “يكون الإستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً، بموافقة أغلبية المصوتين وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر.”
عشرة كلمات قضت على إمكانية تعديل الدستور وجعلتها أقرب إلى المستحيل في ظل الخارطة السياسية الموجودة، فالمخافطات الثلاث التي تحدث عنها النص الدستوري، مع انها يمكن أن تكون أي ثلاث محافظات عراقية، إلا أنها في الحقيقة وضعت لأن إقليم كردستان يتألف من ثلاث محافظات، وهي تدار بشكل مباشر وتخضع لهيمنة حقيقية من قبل الحزبين الكرديين الرئيسين، وهذا معناه، إجهاض أي تعديل دستوري مفترض إذا تعارض مع رغبة تلك الأحزاب التي منحها هذا النص ما يشبه حق “الفيتو” لرفض أي تعديل دستوري مقترح مهما كان، وإذا كانت المادة ١٢٦ قد اشترطت قيوداً خاصة، لتعديل الفقرات الدستورية إذا كانت تنتقص من صلاحيات الأقاليم، فقد جاء نص ه المادة مطلقاً، في منح حق الاعتراض على أي نص دستوري، سواء تعلق بحقوق الأقاليم وصلاحياتها أم لا.نخلص فيما تقدم إلا أنه لايوجد هناك أي أمل في تعديل الدستور، مالم يوافق عليه إقليم كردستان. أنا أتكلم هناك من الناحية العملية أخذاً بنظر الاعتبار قدرة الأحزاب الكردية على التحكم بنتائج ذلك الاستفتاء الذي سيجري داخل الإقليم، فإذا ما تم رفض ذلك التعديل من قبل سكان الإقليم بأغلبية الثلثين، فيسقط ذلك التعديل ولا يمر.
2019-11-11