كيف ” يصنع ” الإرهابي العربي ؟.
أحمد الحباسي
ليعذرني المتابعون في خصوص العنوان و يبقوا معي لانتهى من الفكرة. نعم اليوم هناك ” مصانع ” تجميع و تحويل و تصدير و “ماركيتينغ” تعمل على إنتاج الإرهاب بمواصفات ” عربية” بل هناك إرهابيون ماركة مسجلة و هناك إرهابيون ماركة تايوانية مقلدة و هناك إرهابيون بالجملة و هناك إرهابيون بالتفصيل… على طول مساحة الأرض العربية و عرضها يشتغل بعض شيوخ الكتب الصفراء الدينية كما تشتغل المخابرات الأمريكية في عمليات مسح الذاكرة و إعادة” إنتاج” شخص بمواصفات جديدة يمكن أن ينفذ ما يطلب منه دون تردد أو تململ و عملية مسح الذاكرة التي يقوم بها شيوخ الفتنة يختلط فيها الدين بالسياسة و يختلط فيها الشر بالخير و يختلط فيها الذكاء بالنفاق في ينتهي المتلقي من ” الدرس” إلا و هو جاهز للقتل و الإرهاب متصورا أنه في حالة حرب و عداء مع الآخر الذي يعرفه أو لا يعرفه و في حالة حرب و عداء مع الوطن الآخر الذي يعرفه أو لا يعرفه و في حالة عداء مع الفكر الآخر الذي يفهمه أو ينكره.
لعل استقلال الدول العربية لم يكن نعمة و لا نهاية لحالة الذل و الهوان و الفقر بل بداية لحالة من الاستبداد و المحسوبية و التهميش و لعل هذه هي الأسباب الحقيقية التي دفعت الشباب العربي إلى الانطواء و الإحباط و لعل كل هذه العوامل هي التي أضعفت قوة المقاومة و الإصرار و العزيمة لدى هذه الفئات المهمشة الفقيرة و دفعتها دفعا في أحضان قراصنة الإرهاب و شيوخ الوهابية و السلفية الإرهابية…بين شيوخ تتقمص دور المنقذ من الضلال و تدعو إلى الجهاد المقدس باسم نصرة الإسلام بل تبشر بالجنة و حواري الجنة و بين وضعية بائسة و نفق مظلم يختار الشاب العربي خطأ ما يظنه أهون الشرور و أيسر السبل ليصنع من نفسه”شهيدا” يفدى الأمة بعد أن ينال ” شرف ” قراءة بعض البيانات المكررة على خلفية علم أسود مخطوط عليه بعض الشعارات التي تبشر بالجنة…بين الظلام و الظلامية يختار الشاب العربي الفاقد للمناعة الذهنية المغتسل من الجنابة “الدنيوية” الظلامية البائسة ليصبح آلة القتل و بندقية الكلاشينكوف التي تقتل الحياة باسم ” الجهاد”…ليصبح الغراب الأسود الناعق الذي ينهش أبناء وطنه و أبناء دينه و أبناء عروبته.
من العجب أن يتحول النظام السعودي المؤتمن على الديانة الإسلامية البؤرة الأولى للإرهاب و لتفريخ الإرهاب و من العجب أن تكون القاعدة هي الابن الشرعي للنظام السعودي الغارق في الظلامية و التشدد و التطرف تحت عباءة نصرة الدين و المقدسات بل من العجب أخيرا أن تهدر المليارات في حرب إرهابية شعواء حول العالم لا بوصلة لها و لا مهرب منها و لا نتائج ايجابية لها و لعلنا اليوم أمام كارثة إنسانية تفوق التسونامى أو كارثة قنبلة هيروشيما أو الحروب العالمية الأولى و الثانية لان أحداث 11 سبتمبر 2001 التي كانت نتاج الفكر السلفي الوهابي البربري قد شكلت بداية تفكك الأمة العربية و القضاء على سعيها للحضارة و الخروج نهائيا من بوتقة الاستعمار الاقتصادي و العلمي..بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 خرج الإعلام العالمي بنتيجة واحدة أن السعودية هي منبع الإرهاب الأول في العالم و أن من قام بتلك الأفعال الإرهابية الإجرامية ينطلقون من فكر متحجر و منغلق لا يمت للإسلام بصلة بل كان لافتا أن ينتبه التقرير المحرر من طرف لجنة الكونغرس حول هذه الإحداث الدراماتيكية التي غيرت وجه العالم و نظرة العالم إلى الإسلام و ألصقت به تهمة الإرهاب أن يجد الباحثون أن العائلة الملكية هي”المساند المالي و الراعي الرسمي ” للقاعدة و لولا بعض الضغوط و الحسابات السياسوية لإدارة بوش الابن لكشفت حقائق مذهلة مرعبة كثيرة حول تورط آل سعود في الإرهاب و هو ما دفع بعض الجهات إلى التهديد بضرب الحرمين و المدن السعودية في سابقة خطيرة أسالت كثيرا من الحبر.
من السهل جدا أن تصنع الإرهابي و من السهل جدا أن يجد شيوخ التكفير “بضاعتهم” في محيط غارق في الذل و الهوان مستعد لكل “المقاولات” و يكفى لذلك أن تتمكن من لفت انتباه هذا الحالم بالآخرة إلى ما يقع في قوانتانمو و في فلسطين و في العراق و في أنحاء عديدة من المنطقة العربية ببعض الفيديوهات ” الممنتجة” بعناية معينة و يكفى أن تريه صورة جندي صهيوني أو أمريكي يغتصب أو يسحل حرة عربية أو يمزق مصحف أو يتبول في جامع أو يضع حذائه على رأس ممرغة في التراب حتى يصبح طينة طرية قابلة “للجهاد” باسم الدين و تحت راية الدين يحمل كما هائلا من الكراهية للأخر و كما هائلا من النفور من هذه الحياة التي لم تعطه إلا الذل و التهميش.لقد أضر الفكر الوهابي المنغلق بالقضايا العربية التي كانت تعانى أصلا من نفـور غربي و قدرة صهيونية على خداع الرأي العام العالمي بل من النتائج الكارثية أن نرى شارون و نتانياهو يتحدثان عن مواجهة إسرائيل للإرهاب العربي و يدفعون العالم إلى تفهم وحشيتهم ضد الفلسطينيين على أنها شكل من أشكال محاربة الإرهاب خاصة أن الإعلام الغربي قد ركز على أن السعودية التي تمثل للمسلمين منارة الإسلام هي من تفتح مراجعها الفكرية و الدينية للإرهاب و لصناعة و تمويل الإرهاب و بالتالي فقد كان سهلا الانتقال إلى وصف الإسلام بالإرهاب.
لعل بعض الإعلام هو من يشارك في صنع الإرهابي العربي بقدرته المشبوهة على تمرير خطاب سلفي متطرف معين بواسطة شيوخ يتقنون فن التواصل مع “المغتربين” فكريا الفاقدين لقدرة التمييز و التفكير و يصنعون منهم مع الوقت مشاتل تنمو في بيئة حاضنة مستعدة لان تخلق منهم القنابل الانشطارية التي نراها يوميا في الساحات العربية و هذه الأيام في سوريا. لقــد كــان للمشاهد المروعــة للأشلاء الآدمية و للــدم العربي و لانتــهاك المقدسات و الأعراض في العراق و فلسطين و لبنان من طرف العدو الصهيوني و الصليبي الأمريكي ارتدادات في ذهنية بعض الشباب الرافضين أصلا لسكوت بعض أنظمة الخيانة العربية على هذه الانتهاكات و لا شك أن الحمية و الغيرة على الإسلام هي بداية الطريق إلى حضن الفكر الأصولي المتطرف الباحث عـن هكذا مشاتل يمكن الاشتغال عليها و إدخالها في منظومة الجهاد ضد الكفار و من ساندهم من الأنظمة العربية.
تحتاج عملية “صنع” الإرهابي كثيرا من الجهد و الوقت و الذكاء كما تحتاج إلى كثير من الأموال لطباعة الكتب و تسجيل المواعظ و الخطب الموجهة على الاسطوانات و غير ذلك من أساليب الدعاية و الدعوة فضلا على أن عمليات البحث على العصافير النادرة و قراءة الأفكار السلبية الهدامة و تطويعها و صقلها تحتاج إلى مصاريف طائلة لا غنى عنها لا يقدر عليها طبعا إلى كبار ” المانحين” من أمراء الخليج و هذه الأموال تمر عبر شبكات عنكبوتيه هائلة حول العالم لتصل إلى جيوب “أهل الاختصاص” الذين يتولون صرفها في عمليات الاستقصاء و المتابعة و التمــرين على استعمال الأسلحة المختلفة و عمليات التخفي و غير ذلك من متطلبات المرحلة التي تسبق تنفيذ العمليات الانتحارية..هل أصبح الإرهاب صناعة عربية محضة ؟ …بالتأكيد الجواب بنعم لا شبهة فيها لان هذا “المنتج” قد أصبح مطلوبا من الأنظمة الخليجية التي تسعى إلى تصديره و الانتفاع “بعائداته ” في إبعاد رياح التغيير الشعبية عن محميات الجزيرة العربية و من الأنظمة الغربية التي تسعى إلى استغلاله في ضرب بعض ” مواقع “الممانعة و المقاومة التي بقيت صامدة بعد انهيار النظام العراقي خاصة منها سوريا و حزب الله رغم اقتناعها التام أن هذه ” النار” سترتد لاحقا على من صنعها و زرع فيها حب القتل و الإرهاب.
بعد جماعات “بايدر مينهوف” الألمانية و الألوية الحمراء في ايطاليا و الحركة الانفصالية في إلباسك الاسباني و بعض الجماعات الإرهابية المتفرقة في اليابان و بعض الدول الأسيوية الأخرى التي شغلت العالم طيلة عقود من الزمن جاء الدور على الجماعات الإرهابية ” العربية” التي تصنع في المعامل السلفية المتشددة في السعودية و في بعض البلدان العربية الأخـرى دون حسيب أو رقيب ، هذه الجماعات مثل حركة النهضة لا تختلف فيما يبنها و بين القاعدة مثلا إلا في اختلاف المكان و ربما التمويل و مدى علاقتها بالمخابرات الأجنبية و نوعية الاتفاقيات المبرمة مع الإدارة الأمريكية كما جاء في كتاب الصحفي المصري الشهير مصطفى بكرى ” عمر سليمان الصندوق الأسود ” ، لذلك يحق لنا أن نتساءل هل يمكن أن تكون هذه المرحلة مرحلة عابرة كما كانت مرحلة الجماعات الإرهابية الغربية مرحلة عابرة..هذا هو السؤال الذي يشغل بال العالم و بعض من لا يزال يؤمن بالحوار بين الحضارات
2019-09-07