تصاعدت التحليلات وذهبت بعيدا في التنبؤ والتوقع أنه بتعيين بولتونمسشارا للأمن القومى الأمريكي ـ وقبله بتعيين بموبيو وزيرا للخارجيه أن قرار الحرب أصبح له أولويه في السياسة ألأمريكيه ،وأن الحكومة ألأمريكيه حكومة حرب علما أنه في النظام السياسىألأمريكى كل الحكومة بالتعيين ومسؤولة بالكامل أمام الرئيس، وكاننا مقدمين على حرب قريبه .هذا التحليل فيه قدر من التبسيط . وللوقوف على تداعيات هذه التعيينات علينا أن نتفهم قليلا أين يقع قرار الحرب في السياسهألأمريكيه؟ وما هي صلاحيات الرئيس ألأمريكى العسكريه؟
دستوريا ووفقا للماده الثانيه من الدستور الأمريكى الرئيس هو الوحيد الذى يمثل السلطه التنفيذيه في مواجهة السلطتين التشريعيه والقضائيه ، والعلاقة بينهما تقوم على الفصل المطلق للسلطات، ولكن يتميز النظام السياسى ألأمريكى بنظام الكوابح والجوامح الذى يعنى قيام كل سلطة من هذه السلطات بكبح جماح السلطة الأخرى. ولعل الهدف الرئيس من إبتداع هذا النظام تخوف المؤسسون ألأوائل من تحول منصب الرئيس الأمريكي إلى ديكتاتور لا يمكن كبح جماحه، وقد يدفع به إ لى جر الولايات المتحده إلى حرب كبرىتهدد بقائها وأمنها. وعليه يقوم الكونجرس بمشاركة الرئيس الأمريكي لسلطاته وصلاحياته. فالرئيس يعتبر رقم واحد في النظام السياسى ألأمريكى، وكل العيون تتجه نحوه في الداخل والخارج، حتى عيون أعضاء الكونجرس الأمريكي ، فهو القائد ألأعلى للقوات المسلحه، يقوم بكل التعيينات العسكريه، والمؤسسة العسكرية تدين بالولاء للسلطة المدنيه طالما انها ملتزمهبالديموقراطيهالأمريكيه، وفى الوقت ذاته لا يمكن تجاهل تأثير دور الدولة العميقة التي تقوم به المؤسسة العسكرية والمخابرات.
لذلك من الطبيعى دستوريا ان يقيل ويعين من يراه الرئيس الأمريكي في المناصب العسكرية العليا كالدفاع ورئاسة ألأركان، مع ملاحظة ان مجلس ألأمن القومى الأمريكي مؤسسة تفكر تقدم توصياتها للرئيس ألأمريكى في القضايا العالميه، ولذلك يعتبر مسشار الأمن القومى مجرد موظف عند الرئيس، وليس بالضرورة يحتاج لموافقة الشيوخ، عكس منصب وزير الدفاع. ورغم أن الرئيس هو القائد ألأعلى للقوات المسلحة إلا ان قرار الحرب يبقى بيد الكونجرس، لكن يملك الرئيس قرارت العفو ووقف العقوبات عن الدول، ويملك سلطة صلاحية إرسال قوات مسلحة في بعض المناطق التي قد يرى انها تهدد مصالح الولايات المتحده لمدة ستين يوما، يمكن ان تجدد لثلاثين يوما أخرى ، دون إعلان الحرب، لكنه ملزم بإرسال تقارير للكونجرس ألأمريكى ، ولا يمكن تجديدها إلا بموافقة الكونجرس.
ويتحكم الكونجرس في إقرار الموازنهالعامه، وخصوصا الموافقه على الموازنه العسكريه. وفى ضؤ هذا التفسير الدستورى قرار الحرب بيد الرئيس، وليس بيد مسشاريه. في النهاية ماذا يرى الرئيس؟ والرئيس تحكمه عوامل كثيره في أي قرار يتخذه، المحددات الداخليه والقيود التى يفرضها الرأي العام ألأمريكى ، فالولايات المتحده خاضت 24 تدخلا عسكريا من التدخلات الكبرى منذ الحرب الكبرى، والعشرات من التدخلات في الصراعات المنخفضه، وهذا من منطلق مسؤولية الولايات المتحده في حفظ السلم وألأمن العالميين، ولا شك ان هذه التدخلات كلفت الولايات المتحده ثمنا بشريا وماليا باهظا، وهذا ما دفع الرئيس أوباما لتبنى إستراتيجية سحب القوات ألأمريكيه من مناطق النزاع الكبرة مثل أفغانستان والعراق، وتجنب الدخول في حروب جديده كالأزمة السورية، وفى السياق ذاته كانت غالبية الشعب الأمريكي تؤيد هذا السياسة، وعندما جاء الرئيس ترامب وشعاره أمريكا أولا تبنى سياسة الإنكفاء الذاتي ، وعلى الرغم من تصريحاته القويه، لكنه لا يختلف كثيرا عن السياسة التي إتبعها الرئيس أوباما. إلا ان هذه التغييرات السياسيه في اهم المناصب تشير على توجه السياسة ألأمريكيه نحو إتباع وسائل التصلب في المواقف، والتوافقالتى بين الرئيس ووجهة نظر مستشاريه، وتعنى أيضا وهذا هو الخطورة فيها توجه النظام السياسىألأمريكى نحوالشخصنه.
ولعل اكثر القضايا التي قد تنعكس عليها الموقف من الاتفاق النووي مع إيران، وهنا نحن امام خيارين الانسحاب أو العمل على تعديله، لكن خيار الدخول في حرب مباشره مع إيران قد يكون خيار ليس كبيرا نظرا للتحولات الكبيره في موازين القوى ، والتغيرات التي قد طرأت على بنية القوة الدوليه، فلا يمكن للرئيس ألأمريكى إغفال أو تجاهل دور القوى الرئيسه مثل روسيا، وتزايد الفواعل من غير ذات الدول. فالمحددات ألإقليميه والدوليه لإستخدام القوه قد تجعل الرئيس ألأمريكى يفكر كثيرا قبل الذهاب لحرب مع إيران، والدولة الثانيه التي تشكل تهديدا مباشرا على مصالح الولايات المتحده كوريا الشماليه، ويلاحظ التراجع في إحتمالات الذهاب للقوة او الحرب. وسياسة التصلب قد نجدها فى التعامل مع السلطة الفلسطينية ألأضعفمن خلال قطع المساعدات ووقفها، والتهديد بغلق مكتب منظمة التحرير. ومن العوامل التي يمكن ان تشكل قيدا على قرار الحرب رغبة الرئيس ألأمريكى في تجديد رئاسته،وهذه الرغبة تطلب النأى عن اى حرب إقليميه بأبعاد دوليه. فمن السهل على الرئيس الأمريكي إتخاذ قرار الحرب، ولكن ليس سهلا الخروج منها ، ويظهر هذا في التردد حتى الآن في التعامل مع الأزمة السوريه.
وقد يبقى خيارا او شكلا آخر لقرار الحرب بالوكاله بقيام دول أخرى كإسرائيل بإفتعال الحرب مع إيران او مع حزب الله او حماس في غزه. لكن يبقى خيار الحرب الإقليميه او الدوليه من الخيارات البعيده. وهذا يرجع أيضا لشخصية الرئيس ترامب التي تميل نحو عقد الصفقات التجاريه مضمونة الحرب، لكن عقد صفقات الحرب لا احد يضمن المكسب.
وفى النهاية هذه التغيرات وسياسات التصلب سوف تفرض نفسها على الدول المستهدفه كإيران، وستؤخذ بجديه أكبر. وستدخل كل التحليلات والتوقعات في حالة من عدم اليقين.
drnagishurrab@gmail.com
2018-04-01