لنبدأ فصول حكايتنا مترابطة جميعا، ومتشابهة في أنها مملة ومقززة . ليس لدى الأقليات الدينية أو العرقية في بلاد الشام وطن بديل عن الوطن السوري . أما الأكثرية الدينية أو العرقية فان الذهنية البدوية والعصبية القبلية توهمانها بأن وطنها حيث توجد القبيلة . هذا لا يعني أنه لا يخرج باستمرار من الأكثرية مناضلون وطنيون . بل إن الأكثرية تنزف دون توقف بموازاة نمو الوعي والإدراك إلى حد أن الأكثرية والأٌقلية والأحقية والأولوية صارت مفاهيم بالية تحتاج إلى تقييم ووزن بمعايير جديدة، إنسانية . ليس صحيحا أن الأكثرية ما تزال أكثرية . خذ إليك مثل السوريين . أي قوم يحتملون ما يحتمله السوريون ؟ أربع سنوات أثبت خلالها الجيش العربي السوري والقوى الوطنية السورية، أن السوريين الوطنيين، على اختلاف دياناتهم وأجناسهم وآرائهم، هم الأكثرية، هم أصحاب الأرض !
الإشكال إذن هو في لبه إشكال ذهني . بمعني أن الذهنية القبلية تـُصور للذين تـَسْكن هذه الأخيرة في أدمغتهم أنهم الأكثر عددا والأكبر قوة . وبالتالي يحق لهم ما لا يحق لغيرهم . أي أنهم السادة . هم العرب، الإسلام هو كمثل ما يزعمون . الفضل لعربي على أعجمي على أساس النسب والحسب . لذا هم يطغون ويتجبرون إذا أحسوا من الناس نزعة إلى الشك وإلى إحقاق العدالة والحرية والمساواة . الذين يعتقدون أنهم الأكثرية مسيّرون بالغريزة، بالضد من الذين هم، على الدوام أقلية، لانهم يهتدون حيال كل مسألة بالعقل .. ويعتمدون على الضمير والأخلاق .
لنستذكر شيئا من التاريخ . إحتضنت الحركات الوطنية اللبنانية العلمانية فصائل المقاومة الفلسطينية . فكانت المحصلة إنهيار الدولة اللبنانية المارونية، وتبدل ميزان القوى لصالح السنية السياسية اللبنانية التي ارتبطت مع مملكة السعوديين، بعلاقة تكاد أن تكون عضوية . لا شك في أن هذه العلاقة مثلت عائقا كبيرا، بين عوائق أخرى، جعل السنية السياسية عاجزة عن بناء دولة . لا سيما أن صفقة إقتسام الدولة المارونية تمت بمشاركة الحكومة السورية التي تحالفت لهذه الغاية مع الشيعية السياسية إذا جاز القول . تجدر الملاحظة هنا بأن أداء هذه الأخيرة كان على شاكلة الحكومة السورية في لبنان، سيئا إلى أبعد الحدود في صفوف الشيعة أنفسهم . مرد ذلك إلى أن كثيرين من الشيعة كانوا قد استبدلوا إنتماءهم الطائفي والمذهبي بانتماء حزبي علماني . فكان لا بد من إسكاتهم وإعادة قولبتهم !
أكتفي بهذا الإستطراد لأقول باقتضاب شديد . أن المارونية السياسة أخطأت عندما ظنت ان الإستقواء بالمستعمرين يكسبها قوة وقطبية تجذب الناس إلى أن يتحلقوا حولها وأن يستمروا في خدمتها رغم المتغيرات والمتبدلات في منطقة متزلزلة . أخطأت السنية السياسية عندما ظنوا أن بإمكانهم تأسيس دواة لهم بواسطة الإٍستقواء بحكام الدول النفطية والسير على نهجهم . أما الشيعية السياسية فلقد فشلت . لم يبق منها إلا خيال فزاعة . ما هو موجود فعلا هو المقاومة . ليس الشيعة هم الذين خرجوا من الوطن .
ولكن هذا الأخير هو الذي تحلـّل . كان قبل ذلك قد تخلى عنهم قبل احتلال المستعمرين الإسرائيليين لأرضهم وأثناءه . فحرروا أنفسهم بأنفسهم . الشيعة لا يختلفون عن غيرهم. يتصارعون على السلطة كما يتصارع الآخرون . يمارسون المحسوبية . كأية أقلية هم يحتاجون إلى الوطن . سوريا هي نافذتهم إلى العروبة لذا كانوا بعثيين . أما الطريق إلى إيران فلقد شقتها الثورة الإسلامية التي قال قائلها تضامنوا في مقاومة الذين يحتلون أرضكم !