الرأسمالية.. ومرض الشيخوخة!
اضحوي جفال محمد*
أعمال العنف التي تجتاح فرنسا وما يصاحبها من تخريب ونهب لا تنتمي إلى صورة العالم المتحضر الراسخة في اذهاننا. انها عمل غوغائي يسهل على تفكيرنا النمطي نسبته إلى مجتمعاتنا حصراً، إلا أنه يحدث في معقل الحضارة الغربية، وداخل القلب الأوربي.. فكيف نفسره؟.
طبعاً يحتاج التفسير، على افتراض أن هناك تفسيراً واحداً متفقاً عليه، دراسات معمقة لا منشورات متناثرة. ومع ذلك يستطيع المنشور طرح الفكرة، التي سيدور حولها الباحثون وان اختلفوا في التفاصيل، وهي أن النظام الرأسمالي يواجه أزمة كبرى.
والحقيقة انه واجه أزمات عديدة عبر تاريخه الممتد لأكثر من قرنين، تغلّب عليها تباعاً بفضل بنيته الشبابية. وبالنتيجة كانت الأزمات، وبفعل التغلب عليها، تزيده ثقة بدل ان تضعفه. وكانت تطوره من خلال كشف عيوبه وابتكار العلاجات لها.
إذا اعتبرنا الثورة الفرنسية (1789) المحطة الأشهر التي يمكن تسميتها المولد الرسمي للرأسمالية بانتصارها لشعار (دعه يعمل دعه يمر) فإن الذي تلاها هو اقتناع راسخ لدى الجميع في الغرب بعصمة الرأسمالية. قناعة شملت حتى ضحايا الرأسمالية، الذين عزوا عذاباتهم إلى سوء الحظ وليس سوء النظام الجديد الذي أهم عناصر قوته انسجامه مع الفطرة البشرية. لذلك فإن أغلب المعترضين على مظالم الرأسمالية لم يأتوا من داخل الطبقات المسحوقة تحت عجلتها الجهنمية، وانما جاؤوا من الفضاء الإنساني الأرحب أفقاً والأكثر وعياً.
وحينما كان الاشتراكيون يبحرون عكس التيار الرأسمالي الجارف جاءت الضربة الاولى من حيث لم تحتسب البورجوازية (الطبقة التي أرست الرأسمالية)، من أقصى الشرق بانتصار اليابان على روسيا في حرب 4-1905.
قد يعترض معترض على تصنيفي ذلك الانتصار العسكري من دولة راسمالية على اخرى راسمالية ضربة للنظام! وأقول ان الضربة سُددت إلى الركن العنصري من اركان الرأسمالية، والذي ربط بينها وبين (الرجل الابيض). فكانت من اسباب اندلاع الثورة الاشتراكية في روسيا بينما كان مفكروها ينظّرون جازمين بانفجارها داخل مركز الثورة الصناعية في اوربا الغربية.
وبعد ذلك بقليل جاء التحدي الثاني ممثلاً بـ (الكساد الكبير) عام 1929 وما تلاه. يومها كانت الرأسمالية في عز شبابها، فاجتازت الأزمة بحيوية مدهشة، وخرجت اكثر عنفواناََ وأصلب عوداً.
وكان تفكك الاتحاد السوڤييتي وانهيار الكتلة الاشتراكية بمثابة تجديد لعصمة النظام الرأسمالي، وكأنه يولد من جديد. لم يحط من ذلك تدهور الأوضاع المعيشية في دول اوربا الشرقية الآبقة من الاشتراكية إلى الرأسمالية. ووفرت العضوية في الاتحاد الأوربي ملاذات لتلك الشعوب كي لا تشعر بالضياع ويساورها الندم.
الان يواجه النظام الغربي (الرأسمالي) التحدي الأكبر ممثلاً بالعجز الفاضح عن مجاراة النظام الصاعد، سمّه ما شئت، الذي تغزو به الصين العالم، وتنافس الغربيين في عقر دارهم، وتستحوذ على مفاخرهم الصناعية!.
ان استيلاء الصين على كبريات شركات السيارات الالمانية والبريطانية والسويدية يتم بالوسائل والقوانين الرأسمالية ذاتها. لم ترسل جيوشاً لانتزاع مصانع ڤولڤو وميرسيدس ولوتس وأمثالها، بل ارسلت مفاوضين يحملون عروضاً اقتصادية يضطر الغربيون على قبولها لأن البديل عنها هو الافلاس.
قلنا ان النظام الرأسمالي يتلاءم من الفطرة البشرية، لذلك يفتش الفاشلون عن اسباب الفشل داخل شخوصهم وليس في بنية النظام، وهو ما يجعله باستمرار مستقراً وقابضاََ على آليات التصحيح والتطور، فاذا حصلت مظاهرة اتسمت بالتنظيم والرقي واحترام القوانين. فالمظاهرات العنيفة التي تشهدها فرنسا منذ اصحاب السترات الصفراء إلى اليوم حالة شاذة عن طبيعة النظام. فإذا اصبحت بعد حين طبيعية ومعتادة داخل النظام الغربي يصبح النظام هو الشاذ وعليه ان يبحث لنفسه عن مخرج ولو بالرحيل.
الأزمة الحالية في الغرب ليست عابرة قابلة للمعالجات، انها تاريخيّة، وجودية. لا شبيه لها في الموازين التاريخية إلا أزمة الشيوعية التي انتهت بالانهيار. لا توجد علاجات شافية لما يمر به الغرب الرأسمالي اليوم، ومتى كان للشيخوخة علاج!. المشكلة القائمة تحتاج حلولاً جذرية. والحلول الجذرية لا يقوم بها إلا قادة تاريخيون تخلو منهم القارة العجوز في هذه الحقبة المفصلية من تاريخها. طبعاً ستتمخض الاحداث الكبرى عن قادة بمستواها، ولكن قد يكون ذلك بعد فوات الاوان، فيُحسبون على المرحلة القادمة من التاريخ الغربي.
الشيء الكبير الذي يستطيع القادة الصغار القيام به هو الحرب، ليس لأنهم قادرون على اتخاذ قرارها، بل لأنهم عاجزون عن منعها. الحرب في مثل هذه الظروف الميؤوس منها قد تكون مخرجاََ للعاجزين عن فعل شيء.
الذين يلقون انفسهم من أعلى البنايات الشاهقة ويموتون إنما يفعلون ذلك ليس لامتلاكهم شجاعة تشدهم نحو الاستهانة بالموت، بل جبناََ عن مواجهة مصيبة حلت بهم. وانت تطارد حيواناََ قد يقتحم ناراً ملتهبة خلال هروبه، او يتردى في بئر، دون أن يُعد ذلك إقداماً له. يقول المتنبي:
أرى كلنا يبغي الحياةَ لنفسهِ
حريصاََ عليها مستهاماََ بها صبّا
فحبُّ الجبانِ النفس ألهمهُ التقى
وحبُّ الشجاع النفس ألهمهُ الحربا
ويختلفُ الرزقانِ والفعلُ واحدٌ
إلى أن يُرى إحسانُ هذا لذا ذنبا
اوربا، الممول الأكبر ثم اصبحت الأوحد للحرب الاوكرانية، هي المتضرر الأكبر من تلك الحرب فوق تمويلها. ومع ذلك يقفون عاجزين عن إنهائها بسبب ضعفهم المتناهي. يستطيعون موضوعياً ان يفرضوا على أوكرانيا تنازلات معينة فتنتهي الحرب. وكانوا في البداية قادرين موضوعياً على تفاديها ومن غير تنازلات أوكرانية. فأن تصبح أوكرانيا دولة محايدة ليس تنازلاً.. فسويسرا والنمسا وآيرلندا وتركمانستان وكوستاريكا جميعها محايدة من غير ان ينتقص الحياد منها شيئاً، بل ربما أضاف لبعضها الكثير.
هذا الاصرار الأوربي على رفض التراجع لم يكن قط علامة قوة. القوة ان يتجنب القائد خوض الحروب العبثية. وتضرروا كذلك ضرراً هائلاً من الحرب الأمريكية على ايران، دون ان يكون لهم ادنى تأثير في منعها دفاعاً عن مصالحهم.
الحرب العالمية قائمة الان، لكن بالتقسيط. وازمة الغرب تتسع بشكل ينذر بخروج الأمور عن السيطرة. وعلينا ان نتوقع تدهوراً مستمراً وخطراً في كل حين.
( اضحوي _ 2465 )
2026-10-21