ادفع بالتي هي احسن!
د. سعد ناجي جواد*
هذه العبارة الجميلة هي جزء من اية كريمة وردت في القران الكريم تقول (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت (34). والهدف من نزولها هو الدعوة لمقابلة الإساءة بالاحسان والصبر والصفح. كما تعني ايضا ضرورة مقابلة الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو. لكن هناك حادثة ذكرني بها حديت الرئيس الأمريكي يوم الثلاثاء الماضي عندما ادعى كعادته: ان الكثير من قادة المنطقة (لم يحددهم) شكروني بعد أن ضربت الولايات المتحدة إيران، مضيفا: “قلت لهم: متى ستدفعون ثمن ذلك؟”. طبعا لا يوجد دليل على ان احدا قد اتصل به ليشكره، على اساس انه انقذهم من (الخطر الإيراني) لانه يعلم جيدا، هو ومن استشهد زورا بهم، ان حملته الفاشلة جلبت الدمار للمنطقة، والاهم انها فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة وهي القضاء على ما سماه خطر ايران وتغيير النظام فيها وجعله يستسلم للرغبات الأمريكية. ولان القاصي والداني بدأ يعلم بان السياسة الأمريكية في المنطقة هي سبب الكوارث.
الحادثة التي تذكرتها، وهي من الطُرف السياسة العراقية الواقعية، رواها لي المرحوم الاستاذ حسين جميل المحامي واحد مؤسسي الحزب الديمقراطي العراقي، والمدافع الصلب عن حقوق الانسان، (توفي عام 2001)، تقول انه في العهد الملكي العراقي، تم اختياره وزيرا للعدل (1949)، وبما عُرِفَ عنه من حرص وتفاني في اداء واجباته، بدأ عمله الوزاري بجولة على المحاكم العراقية في بغداد. في احدى جولاته وجد احد القضاة قد وضع أمامه يافطة صغيرة كُتِبَ عليها الآية الكريمة مجتزاءة (ادفع بالتي هي احسن) فقط، مباشرة قام الوزير بعزل القاضي لأنه فسر الفعل بانه مطالبة مبطنة وشبه صريحة لدفع الرشوة، وليس استرشادا بالآية الكريمة التي تدعو إلى حل المسائل بالحسنى، وقال لمن طَلَبَ منه ان يتريث (فربما كانت نية القاضي حسنة): لو كانت نية القاضي سليمة لكان ثبت الاية الكريمة بالكامل.
ويبدو ان الرئيس ترامب، وحسب المبدأ الذي سار عليه منذ ان تولى سدة الرئاسة في فترته الاولى ولحد الان الذي يقول، (you have to pay – يجب ان تدفعوا)، والذي يكرره على قادة الدول العربية الميسورة، قد اصبح المبدأ الرئيس الاول في سياسته، من وجهة نظري المتواضعة، اعتقد ان على الرئيس الأمريكي ان يقوم، وكما فعل القاضي العراقي، بتثبيت هذا المبدأ (ادفع بالتي هي احسن) على لوحة ويضعها أمامه، كي يراها الجميع عند ظهوره على شاشات التلفاز، وخاصة قادة الدول الخليجية، ليس فقط لتذكيرهم بمبدأه، وإنما ايضا لكي يرفع عنهم الحرج، لانهم سيقولون ان دفعهم مع الممنونية جاء بسبب تمسكهم بالقران الكريم لانه امرهم ان يدفعوا بالتي هي احسن، وليس خوفا من بلطجة الرئيس الأمريكي.
بالتاكيد سوف لن يجروء احد على عزل الرئيس من منصبه، بسبب ذلك، وربما زادت شعبيته امريكيا، كما كان الحال مع رؤوساء سابقين آخرين ارتكبوا الأفعال المشينة والفواحش والجرائم الدولية ومع ذلك تمت اعادة انتخابهم.
كم اتمنى، (واجزم بان هناك غالبية كبيرة من الشعب العربي تشاركني ذلك)، ان يظهر من يقول لا للرئيس الامريكي، او من يقول له يا سيادة الرئيس ان من يجب ان يدفع هي الولايات المتحدة التي تسببت، ولا تزال، في تدمير دولا عربية( يقف العراق على رأسها) بسبب حروبها وإصرارها على حماية الكيان الغاصب. ولو كان هناك عَالَم عادل لحكمت محكمة العدل الدولية على الولايات المتحدة وإسرائيل بدفع تعويضات للشعب العربي في فلسطين والعراق وليبيا وسوريا واليمن، ولقامت المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة رؤوساء وبعض مسؤولي النظامين الأمريكي والاسرائيلي وأودعتهم السجون بسبب الجرائم التي ارتكبوها ومازالوا يرتكبونها. وكم تتمنى غالبية الشعب العربي ان يقف بعض من يعتبرون انفسهم قادة موقفا مشرفا، ويقولون للسيد ترامب وتابعه الصهيوني بان وجود قواتكم على اراضينا ومغامراتكم التوسعية هي التي جلبت لنا القتل والدمار واستنزاف ثروات بلداننا التي كان يجب ان تصرف لإسعاد شعوبنا. لكن هذه الأمنية اصبحت شبه مستحيلة في هذه الايام، وبعد ان غابت القيادات (عربية وغير عربية) التي وقفت في وجه الإدارات الاستعمارية في الخمسينيات والستينيات وأجبرتها على تجرع الهزيمة، ولو انها تحققت (الأمنية) لما تجرا الرئيس ترامب على اصدار هذا التصريح الذي لا يمكن وصفه إلا بكونه صلفا ولا يحمل اي نوع من اللياقة الأدبية والسياسية. لا بل لو كان الرئيس ترامب يكن القليل القليل من الاحترام للقادة العرب لقال لهم ذلك بالسر وليس في العلن.
لقد ثبت بما لا يقبل الشك ان الوجود الامريكي في الخليج والأطماع التوسعية الصهيونية هي من جلب الكوارث، وان الولايات المتحدة وكل القواعد التي تملكها في المنطقة لم تدافع عنهم، بل وضعت لحماية إسرائيل ولمهاجمة ايران. كم نتمنى ان يسأل قادة المنطقة انفسهم هل كان الرئيس ترامب سيطلب من الكيان الغاصب ان يدفع له لانه يدافع عنه ويحميه، بل ويبقيه على قيد الحياة متحديا كل العالم؟ او ان يسألوا انفسهم هل يجروء الرئيس الامريكي على ان يطلب هكذا طلب من قادة كوريا الشمالية او افغانستان؟ والقائمة تطول.ولكن وكما يقول شاعرنا العربي الكبير ابو الطيب المتنبي:
مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ
ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
كاتب واكاديمي عراقي
2026-10-09