أزمة الديزل:
ترامب يفرض على مجموعة السبع اللجوء إلى المخزون الاستراتيجي
خضعت مجموعة السبع لتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وستلجأ إلى مخزوناتها الاستراتيجية لاحتواء أزمة الديزل، فيما تثير تداعيات العدوان على إيران مخاوف من استنزاف الاحتياطيات دون معالجة جذور أزمة الطاقة
سعيد محمد*
أعلنت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7) الجمعة اتفاقها على الإفراج عن 100 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية، في مسعى لخفض أسعار الديزل التي بلغت مستويات قياسية عالمياً، على أن يبدأ الضخ فوراً ويتوزع على الأربعة أشهر القادمة.
وقال قادة المجموعة، في بيان مشترك لهم بعد اجتماع عبر تقنية الفيديو، إن عملية الإفراج ستتضمن كمية كبيرة من الديزل تُضخ خلال العشرين يوماً الأولى، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية. وتضم المجموعة، التي تتولى فرنسا رئاستها الحالية، كلاً من ألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا، إلى جانب مشاركة الاتحاد الأوروبي في اجتماعاتها.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، قبل لحظات من صدور البيان، أن أوروبا “وافقت على الإفراج عن كمية ضخمة من مخزوناتها من زيت الديزل”.
وشهدت أسواق الطاقة العالمية اضطرابات متسارعة منذ انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في فبراير/شباط الماضي، إذ أدى قصف المنشآت النفطية عبر الشرق الأوسط إلى تدمير جزء كبير من قدرات التكرير العالمية، في حين أثّرت إجراءات إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز في العالم، في سلاسل التوريد الدولية. وتزامن ذلك مع الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية، ما دفع موسكو إلى احتجاز إمداداتها من الديزل، وهي مورد رئيسي للسوق العالمية. وقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت أسعار الديزل في أوروبا وبريطانيا بنسبة 40% منذ منتصف يونيو الماضي، وكسرت في محطات الوقود في لندن حاجز الجنيهين لليتر، وهو أعلى مستوى تاريخي.
وفي الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر الديزل بالتجزئة 6.50 دولار للغالون الواحد، مسجلاً كذلك أعلى مستوى تاريخي له، بزيادة تقارب 70% عن الفترة المماثلة من العام الماضي، ما فرض ضغطاً سياسياً حاداً على إدارة الرئيس دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد كتب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي (الخميس)، أن الشركاء الأوروبيين “ينبغي أن يسرّعوا تنفيذ التزاماتهم القائمة وأن يوفروا إمدادات إضافية فوراً لمواجهة الاضطرابات الراهنة”، مضيفاً: “أمريكا تؤدي دورها، وننتظر من حلفائنا أن يقابلوا التزاماتهم بأفعال”.
جاء الاتفاق بعد أن كشف تقرير لوكالة رويترز أن دول الاتحاد الأوروبي بحثت مقترحاً فرنسياً بالإفراج عن احتياطيات إضافية من الديزل، استجابةً لضغوط الإدارة الأمريكية. وأفاد التقرير، نقلاً عن مصدر واحد مطلع على المناقشات، بأن فرنسا اقترحت أن تفرج دول الاتحاد عن 50 مليون برميل من الديزل، وأن يفرج أعضاء وكالة الطاقة الدولية عن 50 مليون برميل من النفط الخام.
وتراجعت أسعار النفط بحدة صباح الجمعة، بعد انتشار أنباء المقترح الفرنسي، مما يعكس ترقب الأسواق لاحتمال ضخ كميات إضافية من المعروض. وقد انخفضت العقود الآجلة للديزل الأوروبي بنحو 6% في وقت سابق، بعد شيوع أنباء الاجتماع الطارئ.
وتصدر التهديد الأمريكي بفرض حظر على صادرات الديزل لمدة 90 يوماً قائمة المخاوف الأوروبية، إذ حذّر مسؤولو الاتحاد الأوروبي من أن أي إجراء من هذا القبيل ستكون له “عواقب وخيمة للغاية” على الأداء الاقتصادي الأوروبي. وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، آنا-كايسا إتكونن، إن التكتل الذي يضم 27 دولة “يرفض بشكل كامل” فرض حظر على الديزل، لأنه “يُضر بجميع الأطراف، وسيقوض ثقتنا في الولايات المتحدة كشريك موثوق”.
وكانت الولايات المتحدة قد وفرت نحو نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الديزل في أغسطس/آب الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، ما يظهر حجم أزمة التكتل في حال فرض حظر أمريكي على الصادرات. وتصدر الولايات المتحدة ما بين 1.2 و1.5 مليون برميل يومياً من الديزل، وتُعد المورد الرئيسي لأكثر من اثنتي عشرة دولة، من بينها المكسيك وكندا وعدد من الدول الأوروبية. ويحذر محللون من أن قطع هذه الإمدادات عن السوق العالمية سيؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار الدولية، وأن الحظر يكون مضراً على المدى المتوسط، لأنه سيؤدي إلى رد فعل من شركات التكرير الأمريكية قد يتضمن خفض الإنتاج على نحو سيفاقم نقص المعروض العالمي.
على هامش اجتماع وزراء تجارة مجموعة العشرين في ميلووكي، قال مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروس سيفكوفيتش، إنه بحث مسألة إمدادات الديزل والأسعار المتصاعدة مع نظيره الأمريكي، الممثل التجاري جيمسون غرير. وأضاف، وفقاً لوكالات الأنباء: “لدينا مصلحة كاملة في العمل معاً على خفض الأسعار، سواء في الديزل أو في منتجات أخرى من إمدادات النفط والغاز”. وأشار إلى أن أي خطوة أمريكية لتقييد صادرات الديزل ستكون غير متوقعة، وستكون لها انعكاسات سلبية على الآفاق الاقتصادية لأوروبا.
ويرى خبراء أن الإفراج عن مخزونات الديزل قد يوفر “حاجزاً قصير المدى” ضد الارتفاع المتسارع في الأسعار، لكنه في الوقت ذاته يحد من القدرة على مواجهة صدمات مستقبلية، إذ تُعد هذه المخزونات بمثابة “بوليصة تأمين” يُستنفد في الحالات القصوى فقط. وهذا قد يفسر سعي الاتحاد الأوروبي إلى مقاربة أكثر حذراً، والدفع بتوريط جميع أعضاء وكالة الطاقة الدولية، لا الأوروبيين وحدهم في السحب من مخزونات الديزل الاحتياطية.
ويقول الخبراء أن “القضية الجوهرية التي تواجه الولايات المتحدة ليست مشكلة ديزل، وليست مشكلة منتجات مكررة، وربما ليست حتى مشكلة نفط، بل هي مشكلة طاقة عالمية” وبدون مزيد من النفط والغاز عبر مضيق هرمز ومن خارج الشرق الأوسط، فإن أي حل آخر لا يعدو كونه شراء للوقت.
ويُعد مضيق هرمز ممراً رئيسياً لتجارة النفط العالمية، وقد تعرضت حركة الملاحة فيه لاضطراب حاد بعد الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران في أواخر فبراير/شباط الماضي، غير أن الصادرات اليومية عادت هذا الأسبوع وفق ادعاءات أمريكية إلى مستويات ما قبل الحرب.
وانعكست صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب على إيران في الماليات العامة حول العالم، إذ ارتفعت تكاليف الاقتراض في الأسواق الرئيسية، وبلغت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مستوى لم تشهده منذ نحو ربع قرن. وحذر المتداولون من أن سوق السندات الحكومية الأمريكية، وهي ركيزة للتمويل العالمي يُقدر حجمها بـ32 تريليون دولار، تقع في دوامة من البيع المكثف، وهو ما انسحب على الأسواق عبر الأطلسي، حيث ارتفع العائد على السندات الحكومية البريطانية لأجل 30 عاماً إلى أكثر من 6 في المئة لأول مرة منذ 1998، وارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ منتصف 2002، فيما تجاوز عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات نظيره الألماني بنقطة مئوية واحدة لأول مرة منذ مارس/آذار الماضي. ومن شأن هذه الاتجاهات أن ترفع تكاليف الاقتراض، بما في ذلك الرهن العقاري، على المستهلكين والشركات والحكومات.
وإلى جانب ذلك، ارتفع سعر خام برنت، المعيار الدولي للنفط، بنسبة 3.2 في المئة ليصل إلى 101.15 دولار للبرميل، ما ألقى بمزيد من الظلال السلبية على سوق السندات الحكومية، وتعرض الجنيه الإسترليني إلى ضغوط بيعية، وهوى اليورو إلى أدنى مستوى له خلال 16 شهراً عند 1.12 دولار.
مع إعلان الاتفاق، يتجه العالم نحو مرحلة حاسمة قد تحدد مسار أسواق الطاقة خلال الأشهر المقبلة. وفي حال نجح الضخ المنسق عبر وكالة الطاقة الدولية في تهدئة الأسعار، يُتوقع أن تشهد أسعار الديزل في أوروبا انخفاضاً بنحو 8 سنتات للتر، مما يخفف بعض الضغوط على المستهلكين والقطاعات الصناعية والزراعية التي تعتمد بشكل أساسي على هذا الوقود. غير أن استمرار الحرب على إيران دون أفق واضح للتهدئة يبقي المخاوف قائمة من أن أي إفراج عن المخزونات يظل إجراءً مؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة، المتمثلة في انقطاع الإمدادات وتراجع القدرات التكريرية.
—-
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-10-04