المسيحيون العراقيون… ليسوا ضيوفاً على العراق بل من جذوره التاريخية!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
حين نتحدث عن المسيحيين العراقيين، فإننا لا نتحدث عن أقلية طارئة على جغرافية العراق، ولا عن جماعة وافدة تبحث عن مكان لها في وطن الآخرين، بل نتحدث عن مكوّن عراقي أصيل ضارب بجذوره في أعماق تاريخ بلاد الرافدين. فالكلدان والآشوريون والسريان والأرمن، بمختلف كنائسهم وتقاليدهم، كانوا جزءاً فاعلاً من النسيج الحضاري والاجتماعي والثقافي للعراق عبر قرون طويلة.
إن وصف المسيحيين بأنهم مجرد «شركاء» في الوطن، على أهمية مفهوم الشراكة، قد لا يفي بحقيقة موقعهم التاريخي. إنهم من أبناء العراق الأصليين، أسهموا في بناء ثقافته ومدنه ومؤسساته، وكان لهم حضور بارز في الطب والتعليم والتجارة والإدارة والأدب والفنون. ولم يكن وجودهم منّة من سلطة أو امتيازاً منحته لهم دولة، بل حقاً تاريخياً ووطنياً أصيلاً.
لكن المأساة العراقية تكمن في أن الدولة، عبر مراحل مختلفة، فشلت في حماية تنوعها البشري والحضاري. وكما خسر العراق قسماً كبيراً من مواطنيه اليهود، الذين كانوا جزءاً عريقاً من تاريخ بغداد والبصرة والموصل ومدن عراقية أخرى، تعرض المسيحيون لاحقاً لمسار قاسٍ من الخوف والتهجير والاستهداف، ولا سيما بعد عام 2003، ثم جاءت جرائم التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم داعش، لتدفع أعداداً كبيرة منهم إلى مغادرة وطنهم.
إن خسارة اليهود العراقيين كانت جرحاً تاريخياً لم يقرأه العراق بما يكفي، واليوم نخشى أن يتكرر المشهد، بصورة أخرى، مع المسيحيين. فالبلد الذي يفقد مكوناته التاريخية لا يخسر أرقاماً سكانية فحسب، بل يفقد جزءاً من ذاكرته وهويته وتوازنه الحضاري.
وفي الوقت نفسه، تثير التحولات السكانية والهجرات غير المنضبطة إلى العراق أسئلة مشروعة تتعلق بالسيادة والهوية والسياسة الديموغرافية. إن وجود وافدين من أفغانستان أو باكستان أو إيران أو أي دولة أخرى يجب أن يخضع للقانون العراقي، ولإجراءات واضحة وشفافة بشأن الإقامة والعمل والتجنس. لكن الخطأ هو تحميل الشعوب أو الأفراد، على أساس جنسيتهم أو أصلهم، مسؤولية سياسات تتخذها الحكومات والقوى السياسية.
السؤال الحقيقي ليس: من أين جاء هذا الوافد؟ بل: لماذا يهاجر العراقي الأصيل من وطنه، ومن المسؤول عن توفير بيئة تدفع أبناء المكونات التاريخية إلى الرحيل، وهل توجد سياسات رسمية أو غير رسمية تؤثر في التوازن السكاني للبلاد؟
إذا كانت هناك عمليات تجنيس غير قانونية، أو توطين سياسي، أو تغيير ديموغرافي منظم، فإن الواجب الوطني يقتضي كشفها بالأدلة والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، بعيداً عن التحريض القومي أو المذهبي. فالعراق لا يُحمى بكراهية الأجنبي، وإنما بسيادة القانون وحماية المواطن العراقي، أياً كان دينه أو قوميته.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق هو أن يصبح وطناً يطرد أبناءه التاريخيين، ثم يحاول تعويض خسارته البشرية بسياسات سكانية غامضة. فالدول لا تعوض تاريخها بالأرقام، ولا يمكن تعويض مسيحي عراقي اقتُلعت عائلته من أرض سكنتها قروناً بمجرد إضافة فرد جديد إلى سجل السكان. القضية ليست حساباً عددياً، بل قضية هوية وذاكرة وانتماء وحقوق تاريخية.
لقد أخطأ العراق حين سمح بخسارة جانب كبير من مكونه اليهودي، وسيرتكب خطأ تاريخياً أفدح إذا وقف متفرجاً على استمرار نزيف الوجود المسيحي. كما أن حماية الإيزيديين والصابئة المندائيين والشبك وسائر المكونات ليست مسألة «تسامح» من الأغلبية، بل واجب دستوري وأخلاقي وشرط أساسي لبقاء العراق نفسه وطناً متعدد الحضارات.
إن العراق الحقيقي ليس عراق اللون الواحد، ولا المذهب الواحد، ولا القومية الواحدة. العراق الذي عرفناه تاريخياً هو عراق الجامع والكنيسة والمعبد والمندي، عراق العربية والكردية والسريانية والتركمانية، وعراق التنوع الذي صنع شخصيته الحضارية الفريدة.
لذلك فإن القضية اليوم أكبر من الدفاع عن المسيحيين بوصفهم أقلية. إنها قضية الدفاع عن فكرة العراق ذاتها. فحين يرحل المسيحي العراقي قسراً، أو يشعر اليهودي العراقي بأن ذاكرته قد مُحيت، أو يخاف الإيزيدي والصابئي على مستقبله، فإن العراق كله يخسر جزءاً من نفسه.
المطلوب هو مشروع وطني يعيد الاعتبار للمواطنة، ويحمي الوجود التاريخي للمكونات العراقية، ويشجع المهجرين على العودة، ويضمن استعادة ممتلكاتهم وحقوقهم، ويضع سياسة شفافة للهجرة والإقامة والتجنس، ويمنع أي محاولة للتلاعب بالتركيبة السكانية لخدمة مشروع سياسي أو مذهبي أو إقليمي.
إن الأوطان لا تُقاس بعدد سكانها فقط، بل بقدرتها على الاحتفاظ بذاكرتها وأبنائها. والمسيحيون العراقيون ليسوا ضيوفاً في العراق، بل هم من جذوره، ومن يفرّط بجذور وطنه لا ينبغي أن يتفاجأ يوماً حين يكتشف أن الوطن نفسه قد أصبح غريباً عن أبنائه.
2026-07-12