كاظم الموسوي وطوفان الأقصى!
ضياء مجيد*
طوفان الأقصى، ما له وما عليه، يبقى كما بدأ مثار جدل يتوسع ونقاش يتعمق بين السياسيين وذوي الاهتمام بالشأن. هو بهجة اليساري فيهم معتبراً أياه انتصاراً على قوى الظلم والظلام والعدوان. وخيبة امل لشق آخر يعتبره مغامرة إنتحارية ، لا تعطي القضية غير دفعة خطيرة إلى الوراء وتراجعا عن الوجهة والمسيرة قبلها، لا تؤتي ثماراً ، بل دماراً وخرابا.
ان كان بالمستطاع الوقوف موقف المحايد بعيداً عن الانحياز ووفق نظرة جدلية تأخذ جانبي الصراع بالتعمق في التحليل والاستقراء تكون نتيجته تحقيق خلاصة براغماتية توصلنا إلى مدى عقلانية الفعل وماهية حسابات الجهات والقوى المنغمرة في تحريكه وتحفيزه ، بل وإشعال الشرارة التي فجرت الموقف. إن كان ذلك بالمستطاع، ستكون المحصلة حتماً موضوعية، سلبية كانت أم ايجابية. عندها تتحقق القدرة على اتخاذ القرار الصحيح حول صواب الفعل او عدمه.
لا ارى ان في الامر التباس على الكاتب او ان النسيان أخذ منه مأخذه او هكذا يبدو للوهلة الأولى، حيث يبرز تركيزه على الجوانب والنتائج الإيجابية دون السلبية وهو يرى كما الآخرون ان الطوفان اغرق الفلسطيني بالدم، أكثر منه المحتل الاسرائيلي.
ما يسجله السياسيون عملياً هو ما تشير إليه المحصلة في بودقة الجوانب الايجابية من ناحية والسلبية من الاخرى، لإعطاء التفسير المناسب للظاهرة وتقييمها جدليا بذلك الشكل الذي يبين مدى جدوى الفعل وارتداداته في الساحة وعليها ، او مدى الضرر الناجم عنه ، مما يدعو إلى الاستنفار والاستنجاد. وبين مؤيد له ومناوئ، يبرز بالضرورة صراع ضار يصل حد التضارب والمواجهة العنيفة بين الطرفين. حتماً يتطلب الأمر من الكاتب السياسي ادراك هذه الحقيقة المؤثرة، ان أراد اللجوء الى ميزان الديالكتيك الكمي لقياس الجانبين المذكورين للوصول إلى دقة عالية في التقييم والفهم العادل والصحيح للمعادلة.
نرى الكاتب بدءا من الصفحات الأولى لكتابه، آخذا الاصطفاف مع قوى التغيير الفلسطينية المناضلة من اجل حقوقها وسيادتها وكرامتها، مسجلاً بذلك موقفاً انسانيا شريفاً مناصرا للحق والعدالة، واسترجاع ما سلب من الفلسطيني من ارض ودار، بكفاح متواصل من الشجاعة والثبات في سوح المعارك الفدائية والفكرية والثقافية والإعلامية. الكاتب يؤكد أن طوفان الأقصى يمثل بداية مرحلة جديدة من تاريخ القضية الفلسطينية، من خلال تمددها في البعد والصورة داخل العالم العربي، بل والعالم اجمع. ولم يحصل لحدث آخر أن تمددت تأثيراته بهذا الشكل الاستثنائي الفعال على بلدان المشرق والمغرب بما في ذلك حتى البلدان التي تمثل معقل الصهيونية والقوى الداعمة للكيان الاسرائيلي امريكياً وأوربيا، حيث استطاعت السردية الفلسطينية ان تصل ببعدها الشامل والحقيقي لأول مرة الى جميع شعوب العالم ، من خلال ما أظهرته الحركات الشبابية والطلابية والعمالية العارمة. واكد الكاتب في هذا الصدد أن هذه الحركات، في الواقع ، هي التي أظهرت التأثير الشامل للسابع من اكتوبر على الاوضاع السياسية والاجتماعية العالمية ، ودحض التصور الكاذب والمشوه لدى الجماهير والشعوب، الناجم عن السردية الصهيونية والقوى الموالية لها طيلة حقبة زمنية على امتداد العديد من العقود.
يرى بعض السياسيين والباحثين ان ميزان الإيجاب والسلب الناجم عن طوفان الأقصى مختل، مائلاً إلى السلب، اي ضد الفلسطيني وفي مصلحة المغتصب الاسرائيلي. وبين هذا الفريق المناصر للطوفان وذاك المعارض له، تبرز قضية شعب بحاجة إلى تحريك بعد جمود، والى إظهار بعد خمود ، وفي جوهرها انسان عانى ومازال، من الاغتراب في وطنه والعذاب على أرضه وبيته والتشريد في ملجئه وبلدته. الحقيقة الساطعة انه لا كفاح دون تضحية ولا تحرر دون دماء. لا مكاسب دون تضحيات ، ولا انتصارات دون شهداء.
أعطى الكاتب، بجدارة، مقارنة شاملة ومعمقة بين الوحشية الاسرائيلية الصهيونية والطوفان الانساني العالمي لمواجهتها (( والمجازر الدموية والهدم الشامل والتخريب الهمجي)).
في طيات كتابه برزت وقفات تأملية للكاتب ترثي حال العرب والواقع العربي والإسلامي ، موجها النقد اللاذع لما وصل إليه هذا الواقع ، والصورة المحزنة التي أظهرته خلال العقود الماضية من حالة الذهول والإنكار والتفرج على العدوان والمجازر على الفلسطيني العربي المسلم. وكشفت الايام تخاذلا عربيا رسميا وتواطؤا مذلا مع قوى العدوان. وهنا يدعو الكاتب القوى الصامدة واليسار الثورى إلى وضع خطة مواجهة حاسمة وكفيلة بصد العدوان وتقديم الدعم للمناضلين في صفوف المجابهة المباشرة مع العدو الشرس.
يطرح الكاتب تساؤله الكبير: ما المطلوب الآن؟ فيجيب بوضوح لا لبس فيه (( العمل الدؤوب من اجل اعادة البناء، وإدراك حقيقة الصراع القائم ، والمهمات المطلوبة في التحرر الوطني والقومي بروح ثورية علمية ، تفتح الآفاق وتعيد الثقة بالطاقات والإمكانات الكامنة في امتنا ووطننا.))
يمثل الكتاب استعراضا لأحداث تاريخية من الماضي القريب والمعاصر، منذ بدايات القرن الماضي وما تلاها، احداث هامة هزت البلدان العربية، وامتحنت شعوبها يسرا وعسرا، واخذت كوكبة من مناضليها وأبطالها شهداء وضحايا ، وأتت على ثرواتها وكنوزها هدراً ونهبا. لم يكن المرور على تلك الاحداث عابراً وخاطفا، بل مشبعا بالبحث الجوهري والدراسة العميقة لمضامينها وحيثياتها المتشابكة والمتعددة الجوانب.
واذاعدنا الى موقف الكاتب المنحاز إلى صف القضية الفلسطينية، فذلك نابع من التزامه المبدئي المبدع بشرعيتها وعدالتها وحق شعبها في البقاء، الالتزام الذي يفوق كل الاسباب والمسببات، وكل الأعذار والتبريرات اللامبدئية. فهو التزام بالانسانية والأخلاق، ويمثل نبلاً سامياً وشهامة رفيعة ونخوة صادقة.
لا اشك، ان كل ملتزم بقضايا الأمة والانسان ومدافع عن حاضرها ومستقبلها سيعود ويلجأ إلى هذا الكتاب الهام، دراسة وتمحيصا، والتوغل في مضمونه وجوهره العميق وبحث متعدد الأبعاد والجوانب لواحدة من اهم قضايا العصر الحديث عالمياً، القضية الفلسطينية.
لندن
9/6/2026