فلسطين وإعادة تأسيس الإقليم: من إدارة الصراع إلى بناء نظام إقليمي جديد!
غانية ملحيس*
ملخص تنفيذي
يتناول هذا المقال التحولات العميقة التي شهدها الشرق الأوسط منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن الحرب المتواصلة على غزة لم تكن مجرد مواجهة فلسطينية – إسرائيلية، بل شكلت نقطة انعطاف كشفت حدود النموذج الأمني والإقليمي الذي حكم المنطقة طوال العقود الماضية. فامتداد الصراع إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، ووصوله إلى مستوى المواجهة المباشرة مع إيران، أظهر أن القضية الفلسطينية لم تكن ملفا قابلا للعزل أو التهميش، بل ظلت عاملا بنيويا مؤثرا في استقرار الإقليم ومستقبله.
وينطلق المقال من قراءة تاريخية ترى أن النظام الإقليمي الذي تشكل خلال القرن العشرين قام على إدارة الصراع أكثر مما قام على معالجة أسبابه، مستندا إلى موازين قوة غير متكافئة، وإلى دور مركزي لإسرائيل في الاستراتيجية الغربية تجاه المنطقة. وقد أظهرت الحرب أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي لإنتاج شرعية سياسية أو استقرار مستدام، وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية أسهم في إعادة إنتاج دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.
كما يناقش المقال حدود المقاربة الأمنية التقليدية القائمة على القواعد العسكرية والتحالفات الخارجية، والتي لم تنجح في منع تفجر الأزمات أو حماية الإقليم من الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
وفي المقابل، يدعو إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي انطلاقا من مصالح شعوب المنطقة ومكوناتها التاريخية الأساسية، بما يشمل العرب والترك والفرس والكرد، عبر صيغ تعاون وتوازن تقلل من الاعتماد على التدخلات الخارجية وتحد من الصراعات البينية.
ويرى المقال أن أي نظام إقليمي جديد لن يكون قابلا للاستمرار إذا اقتصر على التفاهمات الأمنية وحدها، بل ينبغي أن يرتبط بمشروع حضاري ونهضوي أوسع يقوم على التنمية المستدامة، وإنتاج المعرفة، والتكامل الاقتصادي، واحترام التنوع والحقوق المتساوية. وفي هذا السياق، تكتسب فلسطين بعدا يتجاوز كونها قضية تحرر وطني، لتغدو مدخلا لإعادة تأسيس الإقليم على أسس جديدة تربط بين العدالة والأمن والتنمية.
ويخلص المقال إلى أن التحدي المركزي لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب أو إدارة الأزمات، بل في الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء نظام إقليمي جديد، قادر على تحويل الصمود والتحرر والاستقلال إلى مشروع إنساني ومعرفي وتنموي يفتح أمام شعوب المنطقة أفقا جديدا للتعاون والاستقرار والازدهار.
المقال الكامل: فلسطين وإعادة تأسيس الإقليم: من إدارة الصراع إلى بناء نظام إقليمي جديد
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات العميقة. فحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية والمتواصلة للعام الثالث على التوالي، لم تبقَ محصورة في حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل تحولت تدريجيا إلى انفجار إقليمي واسع، كشف هشاشة منظومة الأمن التي حكمت المنطقة خلال العقود الثمانية الماضية.
لقد امتد الصراع إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، ثم وصل إلى مستوى المواجهة المباشرة مع إيران، واتسعت تداعياته لتشمل دول الخليج والأردن، بما حملته من مخاطر أمنية واقتصادية وسياسية. وهكذا تبدو المنطقة وكأنها انتقلت من مرحلة الصراعات غير المباشرة، إلى مرحلة بات فيها احتمال الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة أكثر حضورا في التقديرات الاستراتيجية.
وفي ظل الحديث عن مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية تتعلق بوقف إطلاق النار لمدة ستين يوما، يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل الهدنة: هل نحن أمام مجرد استراحة جديدة لإدارة الصراع الممتد، أم أمام فرصة لإعادة التفكير في طبيعة النظام الإقليمي نفسه؟
غير أن هذا السؤال لا يتعلق بتفاصيل المرحلة الانتقالية وحدود التهدئة، بل يمسّ بنية النظام الإقليمي نفسه كما تشكّل خلال القرن الماضي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإدارة صراع قائم، بل بمدى قابلية الإقليم للاستمرار وفق قواعده الحالية.
وإذا ثبت أن هذه القواعد لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسة فقط، بل أمام أزمة نموذج تاريخي كامل يحتاج إلى إعادة تأسيس، لا إلى إعادة ترميم.
أولا: انفجار الإقليم وتغير الوعي السياسي
كشفت الحرب أن القضية الفلسطينية لم تكن ملفا منفصلا يمكن عزله عن محيطه العربي والإقليمي والدولي. هذه الفرضية لا يمكن فهمها فقط من خلال الأحداث الراهنة، بل تتطلب العودة إلى مسار تاريخي أطول. فالمحاولات الممتدة على مدى أكثر من قرن لإعادة هندسة المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة، عبر فرض تجزئة قسرية حوّلت الكيانات القومية والقطرية الناشئة إلى جزر معزولة ومجرد أدوات في صراع المحاور، بدلا من أن تكون لبنات في فضاء حضاري متكامل. ورافق ذلك استثناء القومية الكردية وتوزيع أراضيها بين المكونات الأصيلة التركية والفارسية والعربية، واستبدال فلسطين التي تتموضع في مركز الوصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري، بكيان استيطاني إحلالي يمثل أداة وظيفية للمشروع الاستعماري الغربي. والسعي بعد إقامة هذا الكيان عام 1948 إلى تهميش القضية الفلسطينية وإعادة ترتيب المنطقة على أساس التعاون الأمني والاقتصادي بين إسرائيل ودول الإقليم، بدا أنه نجح – رغم ما تخللها من انفجارات متتالية أمكن السيطرة عليها- في بناء استقرار هش على مدى العقود الماضية عبر استراتيجية “إدارة الصراع”.
غير أن التطورات المتسارعة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعادت وضع فلسطين في مركز المشهد.
ومع هذا الاتساع الجغرافي للصراع، لم يعد بالإمكان التعامل معه كحالات منفصلة، بل كجزء من تحول بنيوي في الإقليم. ومن هنا، يمكن الانتقال إلى مستوى أكثر عمقا يتعلق بتأثير هذا التحول على طبيعة القضية الفلسطينية نفسها.
لقد أظهر حجم إبادة الإنسان والعمران في قطاع غزة، المنقولة وقائعها بالبث الحي وشاهدها الناس على امتداد الكرة الأرضية، أن القضية الفلسطينية لم تفقد قدرتها على التأثير، بل إن مواصلة تجاهلها أدى إلى انفجار تناقضات عميقة داخل النظام الإقليمي والعالمي.
وما جرى في قطاع غزة لم يعد مجرد حرب موضع خلاف سياسي، بل أصبح موضوعا أمام مؤسسات العدالة الدولية، بعد نظر محكمة العدل الدولية في الدعوى المتعلقة باتفاقية منع الإبادة، واتخاذها تدابير مؤقتة، وبعد تحرك المحكمة الجنائية الدولية في ملف الجرائم المرتبطة بالحرب، رغم محاولات الالتفاف والتأجيل والمماطلة تحت طائلة التهديد والعقاب والتشهير. ما يشير إلى أن القضية الفلسطينية عادت لتفرض نفسها، ليس فقط كقضية شعب واقع تحت الاحتلال، بل كعامل مؤثر في مستقبل النظام الإقليمي والعلاقات الدولية.
ثانيا: إسرائيل ومأزق الأمن الإقليمي
أظهرت الحرب المتنقلة المتواصلة للعام الثالث على التوالي مجددا مركزية إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية والغربية تجاه المنطقة العربية – الإسلامية، حيث بقي الدعم العسكري والأمني والاستخباراتي والقانوني والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي لإسرائيل وحروبها التوسعية، عنصرا أساسيا في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية وعموم الغرب للصراع.
وفي ضوء هذا الواقع، يبرز سؤال يتجاوز توصيف ميزان القوى الحالي إلى طبيعة إمكانية بناء أمن مستقر في الإقليم. فقد أنتج هذا الواقع سؤالا إقليميا واسعا: هل يمكن بناء أمن مستقر في منطقة تقوم فيها موازين القوة على محو واجتثاث الشعب الفلسطيني، والتوسع الإسرائيلي في المحيط العربي، وتفوق إسرائيل وانفرادها بامتلاك السلاح النووي، بينما تبقى دول وشعوب المنطقة الأخرى أمام نتائج الصراع؟
هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة أعمق، تتجاوز سياسات الحكومات إلى طبيعة البنية التي يقوم عليها الصراع نفسه. وبحسب قراءات سياسية وشعبية واسعة في المنطقة، فإن المشكلة لا ترتبط فقط بسياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة: اليسارية واليمينية، العلمانية والمسيانية،
بل بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، باعتباره مشروعا استعماريا مغلقا عقديّا ومفتوحا زمنيّا، وما يترتب عليه من صراع طويل مع الشعب الفلسطيني ومحيطه العربي – الإسلامي.
ومن هنا فإن معظم التصورات حول استقرار وسلام إقليمي تتطلب معالجة جذور الصراع، وليس فقط إدارة تداعياته.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لأن تجارب العقود الماضية أظهرت أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإنتاج شرعية سياسية أو استقرار طويل الأمد. فالقوة تستطيع فرض الوقائع لفترات متفاوتة، لكنها تعجز عن إنهاء الصراعات التي ترتبط بالحقوق التاريخية والهوية والعدالة. ولذلك فإن أي تصور لأمن إقليمي مستدام لا بد أن يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة سياسية وتاريخية وحقوقية، وليست مجرد ملف أمني أو إنساني قابل للإدارة.
مشروع تقوده تركيا.
للمزيد أضغط على الرابط
غانية ملحيس – فلسطين وإعادة تأسيس الإقليم: من إدارة الصراع إلى بناء نظام إقليمي جديد | الأنطولوجيا
2026-06-14