الوسائل النضالية والحركات الثورية!
جمال الطاهات
لا يوجد كتالوج للثورات، ولا يوجد دليل واحد للوسائل النضالية- فكل ثورة، حدث فريد، وتكتسب هويتها من قدرتها على تطوير وسائلها النضالية واشتقاق خياراتها ووسائلها من البيئة الاستراتيجية وطبيعة قوى الاستبداد ومصادر قوتها، وأيضاً ظروف وخصائص القوى الثورية. ولكن أهم قاعدة استراتيجية تساعد الحركات الثورية على اشتقاق الخيارات والوسائل النضالية، هي: “أي خيار نضالي، أو وسائل نضالية، يجب أن تؤدي إلى اضعاف قوى الاستبداد وتقوية حركة التحرر الشعبية”.
قانون التفكيك والتركيب يحكم الصراعات الثورية
اضعاف قوى الاستبداد، وتقوية حركة التحرر هي المعيار لصحة أي خيار نضالي. فالخيار النضالي الصحيح هو الذي يقدم حلاً لهذه المعادلة الآنية (اضعاف قوى الاستبداد وتقوية حركة التحرر). وهذه المعادلة يعبر عنها “قانون التفكيك والتركيب الذي يحكم الصراعات الثورية”. القوة الثورية تسعى لتفكيك قوة الاستبداد وتركيب وتعزيز قوة التحرر الشعبية. وقوى الاستبداد تسعى لتفكيك أي محاولة لنشوء حركة تحرر وطنية حقيقية، وبذات الوقت تقوية منظومة الاستبداد محلياً، وعبر تحالفات خارجية.
قوى الاستبداد تسعى لإدامة منظومتها، وتفكيك قوى التحرر. والقوى الثورية، تسعى لتفكيك قوة الاستبداد ومنظومته، وتعزيز المنظومة التحررية. الخيارات في الصراعات الثورية ليست تعبيراً عن مشاعر غامضة وانفعالات. إن حمل الخيارات الثورية هو أسمى درجات النبل الإنساني، واستعداد عالي للتضحية لدى المناضلين، ولكن شريطة أن تؤدي التضحيات إلى اضعاف قوى الاستبداد، وتقوية حركة التحرر الشعبية. والعنوان هو القوة والصمود والتماسك لديمومة النضال حتى النصر. والحفاظ على الذات رغم الظروف السيئة لإدامة المجهود النضالي بكفاءة عالية.
دروس من أهم التجارب الثورية
نيلسون مانديلا، قضى في السجن أكثر من عشرين عاماً متوالية. لم يتخل فيها يوماً عن ممارسة الرياضة الضرورية للحفاظ على قوة المناضل الجسدية، وبالتالي قوته المعنوية والروحية في مواجهة نظام الفصل العنصري. كما أنه كان ينشد كل يوم قصيدة (Invictus الذي لا يقهر) للشاعر الإنجليزي وليم إرنست هانلي الذي فقد إحدى رجليه بأول عمره، وأصر على الحياة كرجل قوي. وكان مانديلا يصر على رفاقه الذين يلتحقون به في السجن أن يغنوها معه حيثما كان ذلك ممكناً، وصولاً لمقطعها الأخير، “أياً تكن المصاعب، ومهما ضاق باب النجاة، ومهما اثقلت صحائف الدهر بالعقوبات، سأبقى سيد قدري، وقبطان روحي”. كما عمد مانديلا مع آخرين لتهريب الأغذية والأدوية الضرورية للحفاظ على صحة السجناء.
في الصين التي واجهت غزواً من أكثر من دولة، كان مشروع ماو تسي تونغ بناء جيش التحرير الشعبي في سياق الثورة المسلحة ملائماً لتركيب قوة الشعب الصيني في الريف، وبذات الوقت اضعاف قوى الاستعمار وحرمانها من الحصول على أي مكاسب من المناطق التي تحتلها.
المهاتما غاندي، وحزب المؤتمر الهندي، طوروا وسائل نضالية لتفكيك بنية الاستعمار البريطاني. وكان من الضروري اشتقاق وتطوير وسيلة نضالية، لا تدفع الشعب الهندي لمقاتلة نفسه، بل وسيلة نضالية، تؤدي إلى تفكيك منظومة القهر التي بنتها بريطانيا (كانت بريطانيا تدير الهند ببضعة مئات من الموظفين الانجليز، وتنهب المليارات، بالاعتماد على منظومة قهر استعمارية تتألف من كتائب شرطية وإدارية من أصول هندية). لذلك لجأ غاندي إلى وسيلته السلمية، لمخاطبة مكونات الشعب المختلفة، وطور فكرة الاضراب عن الطعام، لمخاطبة جماهير الشعب الهندي، حيثما كانت تنشأ خلافات داخل مكونات الحركة الاستقلالية، أو لمحاصرة المهراجات الذين يتعاونون مع الاستعمار البريطاني. ولكن بالتأكيد اضرابه عن الطعام لم يكن وسيلة نضالية مباشرة ضد الاستعمار البريطاني، بل كانت المقاطعة. فهو من جهة طور وسيلة لإضعاف وسائل القمع التي أنشأتها بريطانيا من الهنود، وبذات الوقت، تعزيز وحدة الحركة النضالية، عبر التأثير على السجال الوطني بوسائل أخلاقية وسلمية، وأيضاً حرمان بريطانيا من عائدات استعمارها للهند بالمقاطعة.
أخيراً،،
فإن الحركة الثورية الأردنية مطالبة بان تشتق خيارات نضالية صحيحة، وتطوير وسائل نضالية فعالة من شانها أن تضعف المستبد الفاسد وعائلته، وتفكك هيمنتهم على الدولة والمجتمع، وتقوي الشعب الأردني وتعزز ثقته بنفسه في مواجهة المستبد الفاسدة وعائلته العميلة. وعلى المستوى الفردي فإن الصمود والصلابة، متطلب نضالي، كما أن الحفاظ على المناضلين دون أن يفقدوا كبريائهم وعزة أنفسهم، متطلب نضالي أيضاً.
علينا أن نتذكر أن كل مناضل يتم تصفيته جسدياً أو معنوياً يُعد انجازاً للمستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم. شعارنا واضح: صامدون حتى التخلص منهم وتمكين الشعب الأردني من استرداد دولته سلطة وموارد. فالصمود متطلب لإدامة النضال، وإدامة المواجهة بالسوائل السلمية، باعتبارها أهم ركن من أركان مشروع تحرر الشعب الأردني. لذلك فإن شعار المناضلين هو: سنعيش أقوياء ونناضل وننتصر. المناضل مطالب بالحفاظ على نفسه، من السقوط المعنوي أو الجسدي. صحيح أن كل مناضل يعلم، ان بقاؤه ليس هو الهدف، ولكن “إدامة نضاله” ضرورة لتحقيق التراكم المطلوب حتى النصر. مفتاح النصر في الأردن هو ديمومة الحركة الثورية وعلنيتها. وتأثيث الموقف الثوري ببرامج نضالية قطاعية تعزز ثقة الشعب الأردني بنفسه وبأرضه وبقدرته على بناء دولته التي تعبر عن وجدانه وتخدم مصالحه بذات الوقت. ليس مطلوباً معارك كبرى للإطاحة بالمستبد الفاسد وعائلته، بل تطوير بديل للحالة الراهنة، وتقديمه لشعبنا. وهذا الجهد على بساطته، يساهم بتغيير موازين القوى من أجل اللحظة الحاسمة التي تقترب. ليس مطلوباً من المناضلين توليد اللحظة الثورية، بل تقديم ما يلزم لتمكين شعبنا من النصر. فأخطاء المستبد الفاسد وعائلته، والتحولات التي تجري في العالم هي من يستعجل الثورة.
مهمة المناضلين المركزية في الأردن تتمثل بإدامة النضال وعلنيته، وتقديم البديل المقنع الذي يعزز ثقة الشعب الأردني بنفسه وبمستقبله. لهذا بدلاً من نشيد القوي الذي لا يقهر الذي اعتمده مناضلو جنوب أفريقيا، عمدت بعض حلقات المناضلين الأردنيين ترديد قصيدة أبو القاسم الشابي: نشيد الجبار. القصيدة التي استعارها من قصة برميثيوس اليوناني الذي تحمل الأهوال للحصول على سر النار وتعليمه لشعبه، انشدها الشابي رغم المرض وحصار المستعمر له، وتعهد لنفسه، وطلب من كل مناضل أن يكون مثل برميثيوس ويتعهد: “سأعيش رغم الداء والاعداء، ،، كالنسر فوق القمة الشماء… أرنو إلى الشمس المضية هازئا، ،، بالسحب والانواء والامطار… لا ألمح الظل الكثيب ولا أرى، ،، ما في قرار الهوة السوداء…النور في قلبي وملئ جوانحي، ،، فعلام أخشى السير في الظلماء”.
2026-06-03