لماذا تخشى واشنطن سلاماً لا يقل خطورة عن الحرب مع إيران؟
خليل القاضي
التحول الأخطر في الشرق الأوسط اليوم لا يتعلق فقط باحتمال التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، بل بطبيعة العالم الذي قد يولد بعد هذا الاتفاق. فالحروب أحياناً تنتهي عسكرياً، لكنها تبدأ استراتيجياً بعد توقيع الهدنات، خصوصاً عندما يكون جميع الأطراف مقتنعين في الداخل بأن المعركة الحقيقية لم تُحسم بعد.
ولهذا تبدو التسريبات الأخيرة حول اتفاق وشيك بين الولايات المتحدة وإيران أكثر تعقيداً مما تظهره اللغة الدبلوماسية الهادئة. ظاهرياً، هناك وقف إطلاق نار شامل، ضمانات للملاحة، آلية مراقبة مشتركة، تفاوض خلال أيام، ورفع تدريجي للعقوبات. لكن تحت هذه البنود، يتحرك شيء آخر تماماً: إعادة رسم توازن القوة في المنطقة بعد أن اكتشفت واشنطن أن كلفة الحرب المفتوحة أعلى بكثير من قدرتها على التحكم بنتائجها.
المسودة المسرّبة نفسها تكشف حجم هذا التحول. فالاتفاق المقترح لا يتحدث عن “سلام نهائي” بقدر ما يقترح إدارة مؤقتة للصراع. أربعة عشر بنداً تقريباً تتمحور كلها حول تجميد الانفجار لا معالجة جذوره: وقف متزامن للقتال على كل الجبهات بما فيها الساحة اللبنانية، فتح نافذة تفاوض لـ30 يوماً قابلة للتمديد، رفع تدريجي للحصار البحري، الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، مقابل التزامات نووية انتقالية تشمل وقف التخصيب لفترة طويلة وشحن جزء من اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة.
لكن اللافت أكثر ليس ما تضمّنته المسودة… بل ما استبعدته عمداً.
فملفات الصواريخ الباليستية، وشبكات النفوذ الإقليمي، والبنية العسكرية غير التقليدية لإيران، جرى تأجيلها بالكامل تقريباً إلى مراحل تفاوضية لاحقة. وهذا بحد ذاته اعتراف غير مباشر بأن واشنطن لم تعد تتحدث عن تفكيك شامل للمنظومة الإيرانية، بل عن احتواء تدريجي يمنع الانفجار الكبير ويؤجل الأسئلة المستحيلة.
وهنا تحديداً تبدأ المخاوف الأميركية الحقيقية.
لأن أي اتفاق من هذا النوع لا يعني فقط وقف الحرب، بل يعني عملياً الاعتراف بأن إيران ما زالت تمتلك ما يكفي من أوراق القوة لفرض تفاوض متوازن بعد كل ما حدث. وهذه نقطة شديدة الحساسية داخل واشنطن، خصوصاً أن جزءاً مهماً من المؤسسة الأميركية كان يعتقد أن الضغط العسكري والاقتصادي المتراكم قد يدفع طهران في النهاية إلى القبول بمعادلة أقرب إلى الاستسلام السياسي.
لكن ما حدث يبدو مختلفاً تماماً.
الأهم هنا أن الاتفاق، إذا تم فعلاً، لا يبدو وكأنه نتاج انتصار أميركي حاسم، بل نتيجة إدراك متأخر بأن الحرب بدأت تتحول إلى استنزاف استراتيجي متعدد الجبهات. فالإدارة الأميركية دخلت المواجهة وهي تعتقد أن الضغط العسكري المكثف قد يفرض معادلة سياسية سريعة، لكنها اكتشفت تدريجياً أن القدرة على الضرب لا تعني القدرة على التحكم بمسار الإقليم بعد الضربة.
بل إن بعض بنود المسودة تعكس هذه المعضلة بصورة واضحة. فواشنطن، رغم احتفاظها بحق استئناف العمليات العسكرية وإعادة الحصار البحري إذا انهارت المفاوضات، وافقت عملياً على ربط الأمن البحري العالمي بمسار تفاوضي هش يمتد على مراحل. وهذا تطور بالغ الدلالة، لأن الولايات المتحدة التي خاضت لعقود سياسة “حرية الملاحة بالقوة” أصبحت اليوم تتفاوض على استقرار المضائق عبر ترتيبات سياسية مؤقتة مع الخصم نفسه.
وهنا تظهر المفارقة التي لخصها تقرير المعهد الملكي البريطاني Royal United Services Institute بصورة شديدة الدلالة: الاستخبارات نجحت عملياتياً… لكن السياسة فشلت استراتيجياً.
هذه ليست ملاحظة تقنية. إنها جوهر الأزمة الأميركية الحالية.
فالولايات المتحدة امتلكت معلومات دقيقة، وحققت تفوقاً في الاستهداف، ونجحت في إدارة جزء مهم من العمليات العسكرية. لكنها، وفق القراءة التي يقدمها التقرير، لم تمنح التقييمات الاستخبارية وزناً كافياً داخل القرار السياسي نفسه. بمعنى آخر، تحولت الاستخبارات إلى أداة لتنفيذ الحرب، لا أداة لمنع الانزلاق إليها أو إعادة تعريف أهدافها الواقعية.
وربما لهذا السبب تحديداً بدأت تظهر داخل واشنطن فجوة غير مسبوقة بين مجتمع الاستخبارات والبيت الأبيض.
إقالة شخصيات مثل الجنرال جيفري كروز، ثم الأزمة التي انتهت بخروج تولسي غابارد، لا تبدو مجرد خلافات إدارية عادية. المسألة أعمق من ذلك بكثير. هناك شعور داخل بعض دوائر الاستخبارات الأميركية بأن القرار السياسي لم يعد يبحث عن التقييم الأكثر دقة، بل عن التقييم الأكثر انسجاماً مع المسار الذي اتُخذ مسبقاً.
أحد المسؤولين السابقين في الاستخبارات الأميركية قال، وفق تسريبات متداولة داخل واشنطن، إن المشكلة لم تعد في “فشل جمع المعلومات”، بل في أن الإدارة باتت تتعامل مع التحليل الاستخباري كعقبة سياسية يجب تجاوزها إذا تعارض مع السردية المطلوبة للحرب.
وهذه نقطة شديدة الخطورة على المدى البعيد.
لأن الإمبراطوريات لا تواجه أزماتها الكبرى فقط عندما تخطئ استخباراتياً، بل عندما تبدأ مؤسسات القرار فيها بتفضيل الحدس السياسي والاعتبارات الأيديولوجية على التقييمات المؤسساتية الباردة.
وفي حالة إدارة ترامب، يبدو أن هذا التوتر تضاعف بسبب العلاقة المعقدة مع إسرائيل.
فالتسريبات المتزايدة حول تهميش نتنياهو وإبعاده عن مسار التفاوض مع إيران لا تعكس فقط خلافاً تكتيكياً حول الحرب، بل تعكس تحولاً أوسع داخل واشنطن: الولايات المتحدة بدأت ترى أن الأهداف الإسرائيلية القصوى لم تعد قابلة للتحقق دون كلفة قد تهدد التوازن الأميركي نفسه.
والأخطر أن بعض البنود المسرّبة تكشف عملياً أن واشنطن باتت مستعدة لتأجيل ملفات كانت “إسرائيل” تعتبرها جوهرية، وعلى رأسها برنامج الصواريخ والنفوذ الإقليمي الإيراني. بمعنى آخر، الإدارة الأميركية تتجه نحو “إدارة الخطر الإيراني” لا “إنهائه”، بينما كانت تل أبيب تراهن على لحظة تؤدي إلى إعادة تشكيل كاملة للبيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
وهنا تصبح الهدنة الحالية محاولة لإعادة ضبط الإقليم، لا لإنهاء الصراع فعلياً.
إيران، من جهتها، لا تتصرف كطرف مهزوم بالكامل. على العكس، كثير من المؤشرات الاستخبارية الأميركية تتحدث عن أن طهران استغلت فترة التفاوض لإعادة بناء جزء من بنيتها العسكرية بوتيرة أسرع من المتوقع. مضاعفة إنتاج المسيّرات، إعادة توزيع منصات الإطلاق، تطوير الزوارق الانتحارية في مضيق هرمز، وإنشاء شبكات نقل بديلة لتجاوز أي حصار مستقبلي… كلها مؤشرات على أن النظام الإيراني يتعامل مع الهدنة باعتبارها استراحة استراتيجية، لا نهاية للصراع.
حتى البنود النووية نفسها تبدو أقرب إلى إدارة زمنية للأزمة منها إلى تفكيك نهائي لها. فوقف التخصيب لسنوات طويلة لا يعني إنهاء المعرفة التقنية، وحصر المنشآت فوق الأرض بالنظائر الطبية لا يلغي البنية العميقة التي راكمتها إيران خلال عقود. وبكلام أبسط: الاتفاق يؤخر القدرة… لكنه لا يمحوها.
وبكلام أبسط أكثر، واشنطن تريد وقف الحرب، بينما تستعد طهران لاحتمال جولة ثانية أكثر تعقيداً.
ولهذا تبدو المخاوف الخليجية مفهومة إلى حد بعيد. فالدول العربية، وخصوصاً الخليجية، لا تخشى فقط إيران القوية، بل ربما تخشى أكثر إيران الجريحة. لأن الأنظمة التي تخرج من الحروب وهي تشعر بأنها مستهدفة وجودياً تميل غالباً إلى أن تصبح أكثر خشونة وأقل قابلية للضبط.
من هنا يمكن فهم الطرح السعودي حول اتفاقية عدم اعتداء إقليمية مستوحاة من “عملية هلسنكي”. الفكرة بحد ذاتها تكشف أن بعض العواصم العربية بدأت تدرك أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة لم يعد فيها ممكناً بناء الأمن فقط على الحماية الأميركية المباشرة أو على فكرة الحسم العسكري ضد إيران.
وهذا تحول مهم جداً.
لأن الشرق الأوسط منذ عقود كان يُدار على قاعدة الردع بالقوة، أما الآن فهناك إدراك متزايد بأن استمرار هذا النموذج قد يقود إلى دورات استنزاف لا تنتهي، خصوصاً مع تراجع الرغبة الأميركية في الانخراط العسكري المفتوح.
لكن المفارقة أن الجميع تقريباً يتحدث عن السلام بينما يتحضر نفسياً للحرب المقبلة.
إيران تعيد بناء أدواتها. “إسرائيل” تشعر أن واشنطن بدأت تقييد هامشها العسكري. الولايات المتحدة تريد الخروج من الاستنزاف دون أن تبدو وكأنها تراجعت. ودول الخليج تبحث عن مظلة توازن تمنع انفجار المنطقة مرة أخرى.
لهذا قد يكون أخطر ما في الاتفاق المحتمل أنه لا يحل التناقضات الأساسية، بل يجمّدها مؤقتاً تحت سقف تفاهم هش.
فالمسودة المسربة لا تبدو كاتفاق ينهي الصراع، بل كوثيقة تنظم مرحلة انتقالية بين حربين: الأولى جرى احتواؤها بصعوبة، والثانية يحاول الجميع تأجيل توقيتها قدر الإمكان.
وأحياناً… لا تبدأ الحروب الكبرى عندما تفشل المفاوضات، بل عندما يوقّع الجميع اتفاقاً وهم مقتنعون في أعماقهم أن الجولة التالية أصبحت مسألة وقت فقط.
2026-05-28