زيارة ترامب للصين!
سعادة مصطفى أرشيد*
مع نهاية الحرب العالمية الأولى انفجر الخلاف داخل البيت الصيني بين التيار الوطني الموالي للغرب بزعامة تشان كاي تشيك وبين الاتجاه الشيوعي الأممي بزعامة ماو تسي تونغ. وكان من الطبيعي أن تقف الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب الفريق الأول وإنْ هُزم في الحرب الأهلية وانحصر وجوده في جزيرة تايوان وحمل اسم الصين الوطنية، فيما رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بالأغلبية الموالية للاتحاد السوفياتي والدعم لكوريا الشمالية، وبهذا أصبحت الصين الصغيرة هي الممثل للأمة الصينية في الأسرة الدولية الجديدة (الأمم المتحدة) وإحدى الدول الخمس الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن واللواتي يمتلكن حق النقض.
لطالما نظر الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً للصين باعتبارها عملاقاً يغطّ في نوم عميق، ويميل للانعزال والانغلاق على نفسه، وعلى أنه مجتمع ضعيف الفعالية إنْ أمام الاستعمار الإنجليزي أو لاحقاً اليابان، وحتى في عهد ماو تسي تونغ حيث اتصف بالجمود وأسّس نسخته الخاصة من داخل المدرسة الشيوعية، وقطع صلاته بالماضي الصيني، لكن بعد غياب ماو وتصفية الحرس القديم ظهرت الشيوعية الصينية الجديدة المتناغمة مع فكر كونفوشيوس والتراث الفكري والفلسفي للصين، وأنتجت نسختها الخاصة من الليبرالية وحق الفرد في التفكير والإبداع والكسب من خلال الجماعة الكبيرة، واعتبرت أنّ الشيوعية هي روحها ولكن الثقافة القومية الصينية هي جذرها الراسخ الذي يتم البناء عليه.
تأخّرت الولايات المتحدة في ملاحظة النمو الصيني اقتصادياً والتسلّل الناعم سياسياً عبر التجارة مع العالم أجمع، وإنْ بقيت العلاقات بين البلدين في حالة من الهدوء الحذر إلى أن تدهورت بشكل كبير في رئاسة ترامب الأولى؛ حيث اعتبرها في تقريره الاستراتيجي الخطر الاستراتيجي الأخطر على الولايات المتحدة، وأنشأت إدارة ترامب في حينه وكالة خاصة للتصدّي للنهوض الصيني أطلقت عليها اسم “وكالة مكافحة التجسس التجاري”، وأعقبت ذلك حرب اقتصادية باردة فحظرت الولايات المتحدة دخول كثير من المنتجات الصينية إلى أراضيها منها – على سبيل المثال – منتجات شركة هواوي، وأعقبت ذلك قيود تكنولوجية، ولم يكن يفوت واشنطن فتح الدفتر القديم متهمة الصين بانتهاك حقوق الإنسان وما إلى ذلك من اتهامات معلبة.
جاءت زيارة ترامب منذ أيام للصين والولايات المتحدة تعاني من مصاعب جمة إنْ في الاقتصاد أو في السياسة الداخلية والخارجية ورافقه وفد كبير من رجال الأعمال والتكنولوجيا، وتتورّط في حرب يبدو أنها ستطول وستستنزفها، في حين أن الصين تعيش استقراراً نسبياً ومشاكلها الطارئة قيد الحل، وإذا كان الجوهر في كل الأمور هو الأهم، فإنّ المظهر بدوره مهم أيضاً ويعطي إشارات حول الجوهر، وهذا ما فعلته الصين في مظاهر استقبالها لدونالد ترامب؛ كان ينبئ عن قوة المضيف ويفرغ الضيف من طاووسيّته وعنجهيّته التي تم قمعها بمهارة.
يقول ترامب كعادته إنّ زيارته ناجحة وبأنه أبرم عقوداً تجارية ضخمة مع الصين ومنها صفقة شراء كبيرة من طائرات بوينغ المدنية، ولكن ما يقوله الإعلام حتى في الولايات المتحدة إن المسألة لم تتعدَّ عروضاً ومناقشات حول صفقات لم يتمّ إبرام عقودها، أما في الجانب السياسي فقد كان الموقف الصيني قاطعاً في مسألة تايوان بما فيه التأكيد أن بكين لا تخشى الانزلاق إلى درجة الاشتباك العسكري، أما في الجانب الإيراني فقد اكتفت الصين بالقول إنها مع حرية الملاحة عبر مضيق هرمز ولكن دون الاستعداد للمشاركة في فتحه بالقوة.
ما يمكن إيجازه حول نتائج هذه الزيارة أنّ على الولايات المتحدة الإقرار بأن العالم قد تغيّر، وأن عهد الصين آتٍ لا ريب فيه، أما على صعيد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران فقد تكون الصين هي الدولة المرشحة للقيام بالوساطة ورعاية التفاوض بدلاً من باكستان، وهذا ما سنلاحظه في مدى زمني ليس بقريب جداً، وستعمل الصين على تسويات وسطية بين واشنطن وطهران تكون في غالب الأمر بعيدة عن رغبات تل أبيب.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-05-20