العقلية الصوصية في تقسيم الوزارات في العراق
بمناسبة تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة علي الزيدي
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
لم تعد مشكلة الحكم في العراق مشكلة أسماءٍ تأتي وأسماءٍ تغادر، ولا مشكلة حكومةٍ تُشكَّل وأخرى تُستبدل، بل أصبحت المشكلة أعمق من ذلك بكثير: إنها مشكلة عقلية سياسية تنظر إلى الدولة لا بوصفها وطناً، بل بوصفها غنيمة؛ ولا ترى الوزارة مؤسسة لخدمة الشعب، بل حصةً حزبية تُقاس بمقدار ما تدرّه من نفوذ ومال ومقاولات ومناصب.
وبمناسبة تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة علي الزيدي، والتي نالت ثقة البرلمان بصورة جزئية بعد تمرير عدد من الوزراء وبقاء وزارات مهمة موضع خلاف، ومنها وزارات سيادية وحساسة، تعود إلى الواجهة مرة أخرى مأساة “المحاصصة” ولكن بوجهها الأكثر فجاجة: تقسيم الكابينة الوزارية بطريقة يمكن وصفها مجازاً بـ العقلية الصوصية؛ أي عقلية الخطف السريع، والتقاسم الخفي، والانقضاض على المال العام تحت عناوين الشراكة والتوازن والاستحقاق السياسي. وقد ذكرت وكالات الأنباء أن البرلمان صوّت على حكومة جزئية، بينما تعذر التوافق على بعض الحقائب الأساسية مثل الداخلية والدفاع، وهو ما يكشف استمرار صراع الكتل على الوزارات لا على البرامج.
إن الوزارة في الدول المحترمة تُمنح لمن يمتلك الكفاءة والخبرة والنزاهة والرؤية، أما في العراق، فقد تحولت في أغلب الأحيان إلى “دكان سياسي” تُوزَّع مفاتيحه بين القوى المتنفذة. هذه الجهة تريد وزارة النفط، وتلك تريد النقل، وثالثة تطالب بالإعمار، ورابعة تتمسك بالكهرباء، لا لأنها تحمل مشروعاً لإصلاحها، بل لأنها تعرف أن هذه الوزارات أبواب واسعة للعقود والصفقات والتعيينات والهيمنة على مفاصل الدولة.
هنا تتجلى العقلية الصوصية بأوضح صورها: ليست السرقة فقط أن تمتد اليد إلى المال العام مباشرة، بل السرقة الأخطر أن تُسرق الدولة من معناها، وأن تُختطف الوزارة من وظيفتها، وأن يُحوَّل المنصب العام إلى ملكية خاصة لحزب أو كتلة أو زعيم. وحين تصبح الوزارة “حصة”، يصبح الوزير وكيلاً عن الجهة التي جاءت به، لا خادماً للشعب ولا مسؤولاً أمام الدستور.
لقد عانى العراق طويلاً من نظام المحاصصة الذي قُدّم في بداياته تحت شعار تمثيل المكونات، لكنه تحول تدريجياً إلى نظام لتوزيع الغنائم. فبدلاً من أن تكون التعددية مصدر قوة، أصبحت غطاءً لتفتيت الدولة. وبدلاً من أن يكون التوافق وسيلة لمنع الاستبداد، صار أداة لتعطيل المحاسبة. فإذا فشل الوزير، احتمى بكتلته. وإذا فسدت الوزارة، قيل إن استهدافها استهداف سياسي. وإذا طالب المواطن بالإصلاح، ووجه بمنطق “التوازنات” و“الاستحقاقات”.
إن تشكيل حكومة ناقصة أو جزئية ليس مجرد إجراء دستوري عابر، بل هو مؤشر على أن الخلاف لم يكن حول برنامج وطني واضح، بل حول من يأخذ ماذا. ولو كان الخلاف على التنمية، أو مكافحة الفساد، أو إصلاح التعليم، أو بناء الصناعة والزراعة، لكان خلافاً محموداً. أما حين يكون الصراع على الداخلية والدفاع والنفط والمال والإعمار، فإن المواطن البسيط يفهم الرسالة جيداً: إنهم لا يتنازعون على خدمته، بل على مفاتيح السلطة.
والأخطر من ذلك أن العراق اليوم يواجه تحديات جسيمة: اقتصاد هش، بطالة واسعة، خدمات متدهورة، فساد متجذر، سلاح خارج إطار الدولة، وتدخلات إقليمية ودولية لا تنتهي. وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن حكومة الزيدي ستواجه ملفات صعبة، منها الفساد، والميليشيات، والعلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران. ومع ذلك، تستمر القوى السياسية في التعامل مع الوزارات كأنها جوائز انتخابية، لا أدوات لإنقاذ وطن.
إننا لا نحكم على الحكومة الجديدة قبل أن تعمل، ولا نريد أن نصادر حقها في المحاولة. لكننا نقول بوضوح: أي حكومة تولد من رحم المحاصصة ستبقى أسيرة لها، ما لم تمتلك شجاعة كسر قواعد اللعبة القديمة. والإصلاح لا يبدأ بخطاب جميل، بل يبدأ من سؤال بسيط: هل الوزير جاء لخدمة العراق، أم جاء ممثلاً لحصة حزبية؟ هل معيار اختياره الكفاءة، أم الولاء؟ هل سيحاسَب إذا فشل، أم ستدافع عنه الكتلة التي رشحته؟
لقد دفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً لهذه العقلية. دفعه من كهربائه ومائه ومدارسه ومستشفياته وكرامة شبابه. دفعه من هجرة كفاءاته، ومن دماء أبنائه، ومن ضياع فرص التنمية. وما لم تُكسر هذه الحلقة، ستبقى كل حكومة جديدة نسخة معدلة من الحكومات السابقة، وستبقى الوعود تتكرر، والنتائج تتدهور.
إن الدولة لا تُبنى بعقلية الصوص، بل بعقلية الرجال الذين يؤمنون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن المال العام أمانة لا غنيمة، وأن العراق أكبر من الأحزاب والطوائف والكتل. العراق لا يحتاج إلى تقسيم وزارات، بل إلى بناء مؤسسات. لا يحتاج إلى وزراء محميين سياسياً، بل إلى وزراء خاضعين للقانون. لا يحتاج إلى حكومة ترضي الزعماء، بل إلى حكومة تنصف الشعب.
وعليه، فإن المطلوب من حكومة علي الزيدي، إن أرادت أن تختلف عن سابقاتها، أن تبدأ من حيث فشل الآخرون: إعلان معايير واضحة لاختيار الوزراء، كشف الاتفاقات السياسية أمام الرأي العام، إخضاع جميع الوزارات للرقابة، منع تحويل المناصب إلى إقطاعيات حزبية، وتقديم برنامج زمني قابل للقياس في الخدمات والاقتصاد ومكافحة الفساد.
أما إذا بقيت الوزارات تُقسم كما تُقسم الغنائم، وإذا بقيت الدولة تُدار بمنطق الحصص، فإننا سنكون أمام فصل جديد من المسرحية القديمة نفسها: وجوه جديدة، شعارات جديدة، ونتيجة واحدة؛ شعب ينتظر، وطبقة سياسية تتقاسم.
إن العراق ليس مائدة للنهب، ولا مزرعة للأحزاب، ولا شركة مساهمة بين المتنفذين. العراق وطن عظيم، لكنه أُنهك بعقول صغيرة. وأول طريق الإنقاذ يبدأ حين ننتقل من عقلية “من حصتي؟” إلى عقلية “ماذا أقدم لوطني؟
2026-05-15