الحرب في وثيقة ترامب الاستراتيجية!
سعادة مصطفى أرشيد*
تمثل الحرب الحالية على لبنان وإيران استمراراً للحرب التي أعلنها الغرب على مشرقنا وتعاقب على قيادتها الثنائي الإنجليزي ـ الفرنسي حيناً، ثم الولايات المتحدة الأميركية حيناً آخر، وبالطبع معهم قاعدتهم المتقدمة المتمثلة بالحركة الصهيونية ثم دولتها التي أقامتها على أرض فلسطين.
السلوك الأميركي في هذه الحرب هو السلوك الطبيعي لواشنطن وللغرب على حدّ سواء، وهنا يتطلّب فهم ما يجري على ساحات السياسة وصالونات التفاوض أو على جبهة القتال من خلال الرؤية الاستراتيجية الأميركية التي سعت منذ أن تسيّدت على العالم بعد الحرب العالمية الثانية للسيطرة على مشرقنا باعتباره مركز السياسة الأميركية في العالم طالما أنه ينتج هذه المقادير من النفط الذي أصبح يشارك الماء والهواء في أساسيات الحياة؛ هذا النفط الذي ما لبث أن تحوّل إلى الداعم الأساسي للدولار العملة الرسمية عالمياً وما يتبع ذلك من نفوذ وسيطرة، لذلك كان من المهمّ لواشنطن استمرار تدفق النفط عبر شركاتها وان تأمم النفط بالظاهر وبالدولار، الأمر الذي يتطلّب وجود عروش وحكومات ممالئة للولايات المتحدة أكثر مما هي معنية بخدمة شعوبها، لذلك تسقط واشنطن ادّعاءاتها بأنها بلد الحرية ورسول الديمقراطية لحساب مصالحها، ومصلحتها هي في استمرار السيطرة وذلك مباشرة أو من خلال الوكيل الحصري لها المتمثل في دولة الاحتلال.
مع زيادة إنتاج النفط في الولايات المتحدة وانخفاض اعتمادها المباشر على النفط الخليجيّ وظهور قوى عالميّة جديدة، بدا ولو لوقت قصير أنّ الاهتمام بمشرقنا قد تراجع من اعتباره الساحة الأولى للسياسة الأميركية، لا بل وبدت في عهد الرئيس السابق جو بايدن وكأنها عبء أمنيّ، لكن وثيقة دونالد ترامب الاستراتيجيّة التي نشرها في رئاسته الثانية أعادت الاهتمام لمشرقنا باعتباره بؤرة الاهتمام الأميركي وحيّزاً واسعاً للفرص والاستثمارات.
الشعار الذي أطلقه دونالد ترامب في وثيقة الأمن الاستراتيجي كان: “لنجعل أميركا قوية من جديد”، هذا الشعار وإن اتفق مع كل السياسات الأميركية السابقة، لكنه يمتاز بالتخلي عن الحلفاء التقليديّين في أوروبا، وحتى الحلفاء العرب الذين يصفهم بأنهم لا يستطيعون البقاء دون دعم أميركا وأنّهم ليسوا أكثر من دفتر شيكات أو جهاز صراف آلي؛ ترى هذه الوثيقة أن مصالح الولايات المتحدة لم تعُد في قيادة العالم الغربي بقدر ما تسعى لافتراسه، وذلك للتفرّغ لصراعها الاستراتيجي مع الصين والاتحاد الروسي، وهنا نرى طريقة ترامب الفظة في حديثه عن أوروبا والانسحاب من حلف شمال الأطلسي أو من إعلانه عن رغبته بالاستيلاء على أراضٍ يرى أنها غير مهمة لأصحابها (وإن كانت الرؤية من جانب واحد، ولا يشاركه فيها أحد) مثل السيطرة على غرينلاند وهي أرض دنماركية.
يعلن دونالد ترامب عن توحّشه دون حرج في وثيقة الأمن القومي هذه، وهو يرى أنّ الإدارات السابقة خاصة تلك الديمقراطية، وبشكل أكثر خصوصيّة إدارة جو بايدن، أنها استثمرت وانشغلت في خدمة مصالح البشرية والدفاع عن القيم الأخلاقية على حساب المصالح العليا للولايات المتحدة، فيما ترى الوثيقة أن المطلوب هو أولوية المصالح الأميركية والربح الاقتصادي ولو على حساب كل القيم الأخلاقية ومبادئ الحرية والديمقراطية.
انطلاقاً من هذه الرؤية الأميركية المعلنة والتي تمثل قاعدة نظرية للحرب الدائرة في لبنان وغزة وإيران، والتي تتطابق مع الرؤية الاستراتيجية الأميركية الواردة في هذه المقالة، وذلك بإطارها الكبير والرؤية الاستراتيجية في التفاصيل، الأمر الذي يذكر بما قاله رئيس المخابرات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل: “إن استراتيجية الولايات المتحدة هي في تسليم زمام الرسن لدولة الاحتلال لقيادة العالم العربي إلى حيث تريد “إسرائيل””، أي إلى حيث تريد الولايات المتحدة، وهنا يمكن القول إنها وعلى الجبهات الثلاث حرب متواصلة، وإن تخللتها جولات تفاوض أو وقفات إطلاق نار، ومن الأكيد أن كل ذلك لم يكن ليغيب عن العقل السياسي والاستراتيجي في طهران، الذي يحاول بمهارة نقل الحرب من ساحات القتال إلى ميادين السياسة، ومن الداخل الإيراني إلى الحافات في مضيق هرمز، الذي أصبح البديل الإيراني لامتلاك السلاح النووي.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-05-13