حرب جنكيز خان!
مهدى مصطفى
شبح حرب فيتنام يعود إلى الخيال الأمريكى، إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، يقول فى مقابلات تلفزيونية ومقتطفات منشورة على وسائل الإعلام الاجتماعية: أمريكا لم تحقق انتصارا حاسما فى أى حرب كبرى منذ ستين عاما، تنتصر فى البداية، ثم تتعرض للاستنزاف فى النهاية، مستشهدا بفيتنام، وأفغانستان، والعراق، وإيران.
يا لها من ماسأة شكسبيرية، أن يهاجم أحد عتاة المدرسة الصهيونية أمريكا، الراعى الرسمى لإسرائيل، وكأنه أحد ثوار جيفارا، ويتناسى باراك أنه كان الجسر الغامض بين تل أبيب والمجرم جيفرى إبيستين!
فشلت إستراتيجية قطع الرءوس التى استنها بنيامين نتنياهو، وتبناها الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، فقد أقنع رئيس الموساد، دافيد برنيع الجميع، حسب التسريبات الإعلامية، بأن تصفية القيادة الإيرانية دفعة واحدة ستؤدى إلى انهيار النظام وتفكيك الدولة.
وقعت واشنطن فى الخطيئة الإستراتيجية، واعترف نتنياهو بأن التغيير لا يمكن أن يتحقق عبر الضربات الجوية وحدها، وأن الحسم مرتبط بالتحرك على الأرض، فى إقرار صريح بفشل المهمة السريعة والخطيرة.
فى واشنطن استقال جو كينت، المدير السابق لمركز مكافحة الإرهاب الأمريكى، رافضا مبررات التصعيد التى ساقتها الإدارة الأمريكية، بوصفها امتدادا لمنطق غزو العراق دون وجود تهديد وشيك.
وفى مقابلة مع الإعلامى تاكر كارلسون، أعرب كينت عن معارضته الشديدة لطريقة التعامل مع الحروب المباغتة، وقال إن القرار اتخذ دون نقاش كاف، مشيرا إلى تأثيرات خارجية، بما فى ذلك مصالح إسرائيل، وهو ما أثار جدلا واسعا فى الإعلام الأمريكي.
أما تولسى جابارد، رئيسة الاستخبارات الوطنية، فقد أكدت أمام أعضاء الكونجرس أن إيران لم تصل بعد إلى السلاح النووى، وأشارت إلى أن القرار العسكرى يعود للرئيس ترامب وحده.
الصحافة الأمريكية بدورها تصيدت تصريحا لافتا لوزير الخارجية، ماركو ربيو، بدا فيه أنه يعترف بدور إسرائيلى للذهاب إلى الحرب، فى محاولة للتنصل من الفخ.
يقول نتنياهو إن إسرائيل أصبحت قوة عظمى، ثم ينشر خريطة إسرائيل الكبرى، ويتحدث عن تصفية قيادات الدول المعادية، فى تحد سافر للقانون الدولى، بينما يتساءل الشارع الأمريكى عن جدوى الانخراط فى هذه الحرب.
الواقع أن الحرب وقعت ضمن سياق وثيقة الرئيس ترامب للأمن القومى الصادرة فى نوفمبر 2025، وقد دعت إلى السيطرة على الممرات البحرية والمضايق، ومن ثم التحكم فى التجارة وسلاسل الإمداد، وإرهاق القوى المنافسة.
فى هذا الإطار دعا الرئيس ترامب إلى «صفقة» توقف هذه الحرب الخطيرة، مبتعدا عن نهج نتنياهو، بعد إدراك متأخر أن الاستنزاف الطويل قد يضع أمريكا فى موقف شبيه بفيتنام، ومع تصاعد أصوات داخل حركة «ماجا» الرافضة للانخراط فى صراعات خارجية، تبدو المفارقة واضحة بين خطاب ترامب الذى أوصله إلى السلطة، والمسار الذى وجدت حركة «ماجا» نفسها فيه.
قبل النهاية، يعود نتنياهو إلى مخازن التاريخ، يستدعى جنكيز خان، الذى اجتاح مساحات واسعة من العالم القديم بلا راية جامعة أو فكرة خلاقة، وكان جنكيز خان يقود قوة خشنة صالحة للغزو فقط، كما يستدعى نتنياهو إسبرطة، الدويلة التى عاشت على إيقاع القتال الدائم، كأن قراءة نتنياهو تقتصر على نماذج الصدام الدموى وحدها، ويسعى لإعادة إنتاجها، فى تكرار ينتهى دائما إلى هزيمة فادحة، يطمرها ركام التاريخ، وكأن هاجس نتنياهو يتجه إلى النهاية الحتمية.
أخطر نتائج هذه الحرب، مع اقتراب نهايتها، تتجاوز حداثة الأسلحة وعالم الصواريخ والمسيرات، لتطال الطاقة والمراكز الإستراتيجية، دون تمييز واضح بين المدنى والعسكرى، وهذا هو الخطر الأكبر.
2026-03-26