اهل الخليج والحقيقة المرة!
اضحوي جفال محمد*
طوال عقود من الزمن راجت مجادلات لا تتوقف عن جدوى، وصواب، وضرورة أن يستبيح الأمريكان بلدان الخليج العربية بقواعدهم وأساطيلهم وتجهيزاتهم تحت ذريعة الحماية لأهل الارض ورفاههم ومستقبلهم. لكن هذه الحرب أماطت اللثام عن جملة حقائق ساطعة، أهمها على الإطلاق ان امريكا وقواعدها فشلت قطعاً في توفير الحماية، بل اكثر من ذلك ان وجودها في الخليج صار سبباً في تعريضه للخطر بدل أن يكون مانعاً للخطر.
الحقيقة الساطعة الأخرى ان التواجد الأمريكي يمثل خطاََ متقدماً للدفاع عن إسرائيل بصرف النظر عما يلحقه بدول المنطقة وشعوبها من كوارث. هذا الأمر لم يعد مثار جدل ليس لأن الأمريكان انفسهم يقرّونه ويصرحون به في الإعلام بل ايضاً لأن الخليجيين ذاتهم ما عادوا ينكرونه كما حرصوا من قبل على انكاره. ولعل تصريحات الأمير تركي الفيصل، مدير الاستخبارات السعودي السابق، وحمد بن جاسم، أهم سياسي قطري، جلت الأمور وأسقطت حجج كل من يفكر بمعاودة السرديات القديمة المتخرقة. فالرجلان ليسا من العوام او من خارج الأنظمة الحاكمة، وانما يتحدثان من صميم دوائر القرار الخليجي.
خلال موجة التطبيع عام 2019 والذي لم يكن في الواقع تطبيعاً بل تحالفاََ، قيل في معرض تبريره انه اضطراري لمواجهة خطر مشترك هو الخطر الإيراني. والتحالفات بطبيعتها تنظر إلى مصالح اطرافها بقدر من المساواة والتكافؤ، فهل هذا ما يجري بالفعل؟. في استضافته امام لجنة الامن في الكونغرس الأمريكي قال وزير الخارجية روبيو ان بلاده دخلت الحرب انسياقاً مع القرار الاسرائيلي، وأحدث قوله ضجة داخل الولايات المتحدة، والأحرى أن نرى مثل تلك الضجة بين أهل الخليج لو كانت هناك حكمة وضمير. فهل يمكن ان تتصرف الولايات المتحدة مرة واحدة بناءً على مصالح (حلفائها) العرب كما تتصرف لمصلحة إسرائيل في كل مرة؟. وهنا تبرز الحقيقة المرة وهي ان العرب لا رأي لهم في حرب تدور فوق ارضهم.
عندما تشعر اسرائيل في اي لحظة بأن استمرار الحرب ما عاد يخدمها فانها وأمريكا ستوقفانها، وتقولان: حققنا اهدافنا وانتصرنا. وهذا الامتياز غير متاح للخليجيين مهما لحق بهم من ويلات، حتى لو أبيدوا او احترقت ثرواتهم فإن الحرب مستمرة طالما يخدم استمرارها إسرائيل.
تنحصر خسائر إسرائيل الان في الاهداف المادية المباشرة للضربات، في حين يخسر الخليج وزنه الاستراتيجي والتاريخي وأمنه الاجتماعي دون ان تكون للخسران مبررات. والذي أصابهم حتى الان قد لا يكون شيئاً بالقياس لما سيأتي إذا شعرت ايران بأنها تختنق.
عندما انهزم صدام حسين عام 1991 وأُجبر على الانسحاب من الكويت لم يترك بئر نفط كويتي إلا وأضرم فيه النار، واستغرقت عملية اطفائها تسعة أشهر، وعملية تأهيلها سنوات بعد ذلك. ولو كان أمامه أشياء اخرى تستحق الإحراق لما تردد في إحراقها. أما الذي امام ايران اليوم لتحرقه عندما يشعر نظامها السياسي بالخطر الوجودي فإنه أكثر من ان يُحصى، بما في ذلك محطات تحلية المياه التي يهدد تدميرها عشرات ملايين البشر بالانقطاع التام لأهم عنصر في الحياة.
ان منشأة عملاقة مثل آرامكو، أكبر منشأة نفطية في العالم، تتولى انتاج اكثر من عشرة ملايين برميل يومياً، لا يحتاج تدميرها اكثر من رشقة مسيّرات انتحارية، ثم تبدأ الخزانات بإحراق بعضها بعضا. وإعادتها إلى سابق عهدها بعد إطفاء النيران قد يستغرق عقداً من الزمن!! فلأجل من يُضحى بكل ذلك؟ لأجل تخليص إسرائيل من صواريخ ايران، او ربما، وهو الاتعس، لأجل تخليص نتنياهو من المحاكمة بتهم الفساد، او تخليص ترامب من ملف ابستين الممسك بتلابيبه!.
( اضحوي _ 2355 )
2026-03-07