اضرب ببسرعة.. وغادر أسرع!
مهدى مصطفى
يبدو أن الكابوس الذى صوره جورج أورويل فى روايته النبوئية «1984» قبيل منتصف القرن الماضى، قد تجاوزه واقع النظام الدولى المعاصر فى قسوته وتعقيده.
نحن نعيش حربا عظمى غير معلنة، تحاصرنا فيها غابة متشابكة من أدوات القوة الحديثة: الذكاء الاصطناعى المسلح، والحروب السيبرانية الشاملة، وآليات التحكم فى مصائر الشعوب، وتحويل «الحرب من أجل الحرب» إلى مبدأ.
تنبأ الروائى الأمريكى فيليب روث، من خلال روايته عن «أمريكا الخائفة» التى تحولت من أرض الأحلام إلى ساحة رعب، بصعود ظاهرة التيار الانعزالى وسياساته، كأن النصوص الأدبية الكابوسية تتحول إلى نصوص مرجعية لفهم السياسة الأمريكية الحديثة.
أما أوروبا، فهى تستيقظ على كابوس «التحلل الحضاري» الذى أشارت إليه وثيقة دونالد ترامب للأمن القومى، فقد ولى زمن الحروب التقليدية وبناء الإمبراطوريات بالفتح البطيء، وحل محله عصر «الصدمة والترهيب» عبر الضربات السريعة والقاضية.
عمليات مثل «مطرقة منتصف الليل» ضد المنشآت النووية الإيرانية فى جبل فودو، والضربات المتكررة فى اليمن ولبنان وغزة، تكرس هذا المنطق، وثيقة ترامب الجديدة تبلوره فى شعار مكيافيلى: «اضرب بسرعة، وغادر أسرع».
يستحضر ترامب أشباح الآباء المؤسسين، لكنه يحور وصاياهم لتناسب رؤيته، فجورج واشنطن حذر من «التشابك فى التحالفات»، وجاء مونرو ليرسم حدود العزلة الأمريكية، وحذر المؤرخ بول كيندى من مخاطر «التمدد الزائد»، لكن ترامب يقدم نسخة مسرعة ومسلحة من عقيدة مونرو: عزلة عدوانية، تتحرك بسرعة البرق لحماية «مصالحها» عندما تهدد.
ما يجرى فى ظلال «اليمن السعيد»، أو القنبلة الانشطارية التى ألقاها بنيامين نتنياهو على الصومال، ليس ببعيد عن ظلال هذه الوثيقة، والضربات الإسرائيلية المتلاحقة، هنا وهناك، تمثل المثال العملى لرعب أكثر قسوة من أى كابوس أورويلى خيالي.
القضية الجوهرية هى حرب على النظام العالمى القائم: أوروبا تفقد إمبراطوريتها السابقة وهيمنتها الناعمة، والمؤسسات الدولية تتآكل سلطتها تمهيدا للزوال، ومفهوم السيادة الوطنية يتداعى.
وثيقة ترامب تشرعن التدخل الفورى لحماية المصالح الأمريكية فى الممرات البحرية الحيوية – باب المندب، بحر الصين الجنوبى، مضيق هرمز، جبل طارق – دون استشارة الدول ذات السيادة التى تقع هذه الممرات فى مياهها.
لقد راهنت أوروبا مع إدارة بايدن على حرب أوكرانيا، فوجدت نفسها عاجزة وفاقدة للقوة الديموجرافية والموارد، عالقة فى ماضى مجدها فى القرنين التاسع عشر والعشرين، بينما تستثمر واشنطن بلا عاطفة فى الطاقة والمعادن النادرة، محولة العالم إلى رقعة شطرنج ضيقة لمصلحة «الأمة الأمريكية المنعزلة»، وتلوح فى الأفق مؤشرات تكرار سيناريوهات الصومال، حيث تضيق البحار على أصحابها الأصليين، مما يفتح مسارات خطيرة للمستقبل.
صحيح أن ترامب لن يصدر أوامر بإشعال «الثورات الملونة»، وصحيح أنه سيتعامل مع الأنظمة القائمة كما هى، لكن هذا التعامل سيكون على أساس حسابات مصلحية باردة، وسينفذ بسرعة عسكرية، وقسوة تفاوضية لا هوادة فيها، إذا ما شعر بتهديد لتلك المصالح.
ليس هناك عزاء لليبراليين الذين أصدروا فى الماضى بيانات التهديد والتدخل، وشرعنوا أدوات حقوق الإنسان لتحقيق أغراض جيوسياسية، لقد مهدت خطاباتهم النبيلة، عن قصد أو غير قصد، للمذابح الجماعية، وظنوا أنهم يؤدون «وظيفة مريحة» فى برجهم العاجى، بمعزل عن الرماد الذى يطمر الحضارة الإنسانية ببطء.
فى مواجهة هذا المشهد، يبرز سؤال مصيري: هل نحتاج إلى فيليب روث جديد لسبر أغوار هذه اللحظة التاريخية، أم إلى جورج أورويل آخر لرسم خريطة كابوسنا المعاصر، أم أن اللغة ذاتها ستعجز عن الوصف، تاركة إيانا فى صمت مرعب، أمام واقع يفوق الخيال فى دمويته ووحشيته المنطقية؟
2025-01-01