بعض أحداث وسِمات سنة 2025!
الطاهر المعز
عناصر تقييمية وحصيلة جزئية
لخّصت وكالة الصحافة الفرنسية حصيلة العام 2025 في بضعة أحداث تَضَمّنَتْ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض واستمرار الحرب في أوكرانيا ووقف إطلاق النار ( قولاً لا فِعْلاً) في قطاع غزة واستعار النزاع في السودان…
عاد دونالد ترامب ليرأس الولايات المتحدة يوم 20 كانون الثاني/يناير 2025، رافعًا شعار ” أمريكا أولا” أو “لنجعل أمريكا عظيمةً مُجَدّدًا” ( Make America Great Again – MAGA ) وتمت ترجمة ذلك بإطلاق حرب تجارية عبر رفع الرسوم الجمركية على السلع القادمة من كافة بلدان العالم نحو الولايات المتحدة، مما رَفَعَ كُلْفة المعيشة، كما تُرجمت شوفينية ترامب بعمليات ترحيل جماعية لمهاجرين غير نظاميين وتفكيك قطاعات كاملة في الحكومة الفدرالية، وإرسال الحرس القومي إلى المدن التي يحكمها الحزب الدّيمقراطي لقمع أي احتجاج وترهيب وسائل الإعلام وقمع الحريات، وترافقت هذه الخطوات القمعية مع حرب تجارية دولي، إذ اعتبَرَ دونالد ترامب أنّ الولايات المتحدة متضررة من التبادلات التجارية مع مختلف دول العالم، ولذلك قرّرَ فَرْض زيادة الرسوم الجمركية على كل السّلع الواردة من كل البلدان، بما فيها التي وقّعت علاقات شراكة تجارية، مثل الجار الشمالي ( كندا) والجار الجنوبي ( المكسيك)، وأدّت هذه الرّسوم الجمركية إلى زيادة الأسعار في الأسواق الأمريكية…
في أوروبا استمرت الحرب في أوكرانيا، بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، واشترطت الولايات المتحدة السّطو على الأراضي الزراعية والثروات المعدنية والصناعة في أكرانيا، مقابل “المساعدات” العسكرية والإقتصادية، وفرضت على دول الإتحاد الأوروبي شراء السّلاح الأمريكي لتسليمه إلى جيش أوكرانيا، فيما يواصل الجيش الروسي تقدمه في شرق أوكرانيا، وردّا على قصف بعض المنشآت النفطية، كثّف الجيش الروسي قصف منشآت للطاقة وشبكة سكك حديد في أوكرانيا.
عاشت شعوبنا العربية، وخصوصًا الشعب الفلسطيني واللبناني تحت القصف والإبادة والتهجير، فضلا عن الحصار والتّجويع، وامتداد العدوان إلى سوريا واليمن بدعم امبريالي – أمريكي وأوروبي بشكل خاص – مباشر وصريح ومُطلق للكيان الصهيوني، وبعد سنتَيْن من الإبادة والدّمار، تم الإعلان عن اتفاق على وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ يوم العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكن القصف الصهيوني والقتل مستمر، وتُشرف الولايات المتحدة على عملية انتداب مُزدوج – صهيوني/ أمريكي – على غزة، بالتزامن مع تكثيف القتل والسّطو على الأراضي والمباني والمياه في الضفة الغربية والقدس، ولا يزال الكيان الصهيوني يمنع دخول الغذاء والدّواء وكافة أنواع المساعدات إلى غزة، وفقا للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وإنسانية دولية، فيما تصر الولايات المتحدة على نزع سلاح المقاومة، في فلسطين كما في لبنان…
في السودان، تم اقتطاع الجنوب الغني بالنّفط خلال اتفاق 2005 الذي منح جنوب السودان حق الإنفصال الذي أصبح ساريا منذ التاسع من تموز/يوليو2011، ولكن الوضع ازداد سوءًا وازداد عدد المليشيات المُسلّحة ومحاولات الإنفصال، وتجري حاليا، ومنذ أكثر من سنتَيْن حرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ( مليشيات الجنجويد سابقًا) والتي تدعمها قوى خارجية، ومن أهمها الإمارات، بهدف السيطرة على إنتاج الذّهب بالسودان، وأعلنت الأمم المتحدة عن وقوع مجازر وعمليات اغتصاب ونهب ونزوح جماعي للسكان إبان سقوط مدينة الفاشر ( إقليم دارفور، غرب السودان، على حدود تشاد) وسيطرة قوات الدّعم السريع عليها يوم السادس والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2025، بعد محاصرتها لأكثر من سنة ونصف، وسبق أن عاش سكان إقليم دارفور مجازر وفظائع قبل أكثر من عِقْدَيْن، وبسقوط مدينة الفاشر، أصبحت قوات الدّعم السريع تُسيطر على ولايات دارفور الخمس، بدعم قوي من الإمارات التي تُساعد على تقسيم السودان…
تميزت سنة 2025 بسيطرة المليشيات الإرهابية المُدرّبة والمُسلّحة من قِبل تركيا وقطر، على السلطة في سوريا، بدعم وترحيب من كافة الدّول الإمبريالية، وتميزت السنة الأولى لسلطة “هيأة تحرير الشام” ( النُصرة، فرع “القاعدة”) بانتشار القتل على الهوية وقمع “الأقليات” فضلا عن احتلال الكيان الصهيوني لثلث مساحة سوريا، وأصبح جيش العدو على بعد عشرين كيلومترا من دمشق، بينما عزّز الجيش الأمريكي القواعد التي أنشأها شرق سوريا، على الحدود مع العراق، في مناطق إنتاج النفط والغاز وفي الأراضي الخصبة على ضفاف نهر الفرات…
في العالم، جرت أحداث كثيرة وتغييرات في شكل السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية أو مُزورة، كما تميز هذا العام بتعدّد احتجاجات شباب الجيل زد، في آسيا ( نيبال وإندونيسيا ) وإفريقيا ( مدغشقر والمغرب وتنزانيا ) وأمريكا الجنوبية (بيرو )، وتتراوح أعمارهم بين 15 و 30 سنة، ضدّ ظروف المعيشة والبطالة والفقر والفساد…
في أمريكا الجنوبية، لم تكتفِ الإمبريالية الأمريكية بحصار كوبا منذ أكثر من ستِّين سنة، فشنت غارات على قوارب صيد السمك في بحر الكاريبي وقتلت عشرات المدنيين، بذريعة مكافحة عصابات المُخدّرات، وأكّدت الأمم المتحدة إنه عمليات “إعدام خارج نطاق القضاء”، واستولى الجيش الأمريكي على ناقلات نفط فنزيلا وتشديد الحصار على فنزويلا وكوبا، للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو والاستيلاء على احتياطيات النفط في البلاد، ورصدت مكافأة قدرها 50 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض على رئيس فنزويلا…
في المجال الإقتصادي
انخفض سعر صرف الدولار الأميركي بنسبة تفوق 9% خلال الفترة منكانون الثاني/ يناير إلى بداية كانون الأول/ديسمبر 2025، مقابل العملات الرئيسية الأخرى، بفعل زيادة الرسوم الجمركية على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وبفعل خَفْضِ أسعار الفائدة من قِبَل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لدَعْم النمو الاقتصادي الأميركي، وعاد سعر الدّولار إلى الإنخفاض منذ منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بعد استقراره لفترة حوالي ستة أشهر، مع احتمال استمرار انخفاضه سنة 2026، بسبب الضغوط الإقتصادية والسياسية لخفض أسعار الفائدة والأداء غير المُستقِرّ للإقتصاد الأميركي في ظل تراجع عدد فُرص العمل، ومع تحوّل الحرب التجارية طيلة سنة 2025 من الحمائية ( الأمريكية) وفَرْض رُسوم جمركية مرتفعة إلى مواجهة شاملة شملت قطاعات التكنولوجيا وسلاسل التوريد والأمن الاقتصادي، مما أحْدَثَ اضطرابات في النظام الاقتصادي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وأوروبا والصين، والذي أصبح يتميز بصعود قطاعات التكنولوجيا والطاقات البديلة والذّكاء الإصطناعي، حيث يشير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى “ارتفاع قيمة التجارة العالمية سنة 2025 إلى مستوى قياسي بلغ 35 تريليون دولار، بفعل تعزيز الروابط بين القوى المتوسطة في الجنوب العالمي، مما أعاد تشكيل المشهد التجاري العالمي، بفعل تكثيف اقتصادات القوى المتوسطة جهودها لبناء القدرة على الصمود، خصوصًا في جنوب شرق آسيا في محاولة لتجنب الرسوم الجمركية الأمريكية التي أدت إلى إرباك وتعطيل تدفقات السلع، وارتفاع كلفة الواردات، وتزايد الضغوط التضخمية، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل التكنولوجيا، والصناعات التحويلية، والمعادن الاستراتيجية…”، واستغلّت هذه البلدان اضطرار الشركات الكُبْرى إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد، لإغرائها بنقل جزء من عملياتها خارج الأسواق التقليدية لتفادي الرسوم والعقبات التنظيمية، وأدّى ذلك إلى تسريع بناء تحالفات تجارية بديلة، سواء عبر اتفاقيات ثنائية أو أطر إقليمية جديدة، بهدف تقليل الاعتماد على السوق الأميركية، وأدّت الرسوم الجمركية الأمريكية كذلك إلى عقد تحالفات تجارية جديدة بين اقتصادات ناشئة وأسواق آسيوية وأميركية جنوبية ( فضلا عن مجموعة بريكس) وإلى التجارة بالعملات المحلية، لتفادي التّعامل بالدّولار، وتوسيع الاتفاقيات العابرة للحدود في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والمواد الخام، ومعظمها تحالفات حملت أبعاداً سياسية واستراتيجية، في محاولة لإعادة التوازن إلى النظام التجاري العالمي الذي اتّسم بالإضطراب وعدم استقرار الإنتاج وتقلبات في أسعار المحروقات التي جعلت دولا منتجة للنفط تحاول التحول إلى الطاقات المتجددة…
أشار تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد ) إلى ارتفاع قيمة التجارة العالمية بنحو 4% أوائل سنة 2025، بفعل التحولات الهيكلية وبفعل نمو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ونُمُوّ التجارة بين بلدان الجنوب متوسطة الدّخل، وتراجع دور الدولار كملاذ آمن تقليدي بفعل السياسات الاقتصادية الأمريكية غير المُستقرة…
من جهة أخرى، انخفض الإستثمار في القطاع الصناعي المُنتج وارتفع الإستثمار العالمي في قطاع الذّكاء الإصطناعي الذي قد يتجاوز ستمائة مليار دولارا سنة 2025، ويُتوقع أن تصل إلى أربعة أو خمسة تريليونات دولارا سنة 2030 وإلى احتمال حدوث فقّاعة قد تنفجر خلال بضع سنوات…
دُيُون
بلغ حجم الدّيْن العالمي سنة 2025 مستويات قياسية، وقَدّر صندوق النقد الدولي نسبة دُيُون الحكومات والشركات والأفراد والأُسَر بأكثر من 235% من الناتج الإجمالي العالمي، في بداية سنة 2025، ويتوقّع خُبَراء الصندوق أن يتجاوز الدين العام العالمي ( الدُّوَل ومؤسساتها) 100% من الناتج الإجمالي العالمي سنة 2029، وتُشير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ( أوكتاد) إلى بلوغ الدين العام العالمي مستوى قياسيا قدره 102 تريليون دولار سنة 2024، مما يؤدي إلى اختلال المالية العامة، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض السيادي.
وقدّر معهد التمويل الدولي إجمالي الدين العالمي (بما في ذلك ديون القطاع المالي) بنحو 346 تريليون دولار بنهاية الربع الثالث لسنة 2025، أي نحو 310% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وكانت الدّول الرأسمالية المتقدمة مسؤولة عن النصيب الأكبر من زيادة الدّيون، فيما شكّل الإقتراض الحكومي موقع الصدارة من حيث الحجم والوتيرة، وأدّى ارتفاع حجم الدّيُون إلى اتّساع الفجوة بين حجم الالتزامات المالية للدول والشركات والأُسَر، وقُدْرة الاقتصاد العالمي على الإنتاج وعلى تحقيق النمو الذي يمكّنه من تحَمّل هذا الوضع، مع الإرتفاع المُستمر لتكاليف خدمة الديون، وقِصَر آجال الإستحقاق، ويتوقع تقرير البنك العالمي بعنوان “آفاق الإقتصاد العالمي” تباطُؤ النّمو العالمي إلى 2,3% في 2025، وقد تبلغ نسبة النّمو نحو 2,5% في 2026–2027، فضلا عن الضّغط الإضافي الذي يُشكلة ارتفاع تكاليف الدّيُون.
قدّر معهد التمويل الدولي حَجْمَ الدُّيُون المُسْتَحقّة خلال سنة 2026 بنحو 16 تريليون دولار في الاقتصادات المتقدمة ونحو 8 تريليونات دولار في “الأسواق الناشئة”، ما يرفع مخاطر الأوضاع المالية العالمية خصوصًا بشأن القروض قصيرة الأجل، كما تشير بيانات منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية إلى ارتفاع إجمالي ديون السندات السيادية وسندات الشركات من 25 تريليون دولارا سنة 2024 إلى أكثر من مائة تريليون دولار عالميا…
بلغ حجم الدُّيُون في الولايات المتحدة بنهاية الرّبع الثالث من سنة 2025 ( 30 أيلول/سبتمبر 2025) نحو 37,64 تريليون دولار، وفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية، وفي الصّين 18,31 تريليون دولار، وفي اليابان 10,23 تريليونات دولار، وفقا لمنصة ستاتيستا، وبلغ الحجم الإجمالي لديون بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وكندا والهند والبرازيل، مجتمعة 19,69 تريليون دولارا…
في الوطن العربي، تواجه حكومات البلدان النفطية وغير النفطية عبء الدّيون الخارجية والمحلية ( من المصارف المحلية) مع فوارق عديدة، منها نسبة الدُّيُون من الناتج المحلي الإجمالي وقدرة الإقتصاد على تحمل هذه الدّيون التي تُعَسِّرُ في البلدان الفقيرة وغير النفطية الإنفاق على التنمية والقطاعات المُنْتِجَة والخدمات الأساسية، ومما يزيد من هشاشة وضع الفئات الكادحة والفقيرة بشكل خاص، ومن ارتفاع معدّلات الفقر والبطالة، وبلغ حجم ديون مصر بنهاية 2024، نحو 377,8 مليار دولارا، بنسبة 87% من الناتج المحلي الإجمالي، وديون السعودية 280 مليار دولار ولكنه لا تمثل سوى نسبة ضعيفة من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2024، البالغ نحو 1,24 تريليون دولارا، وبلغ حجم ديون الإمارات 166,8 مليار دولار، والجزائر 116,7 مليار دولار (54% من الناتج المحلي الإجمالي) والعراق 112,3 مليار دولار (53,1% من الناتج المحلي الإجمالي) والمغرب 100,3 مليار دولار (67,2% من الناتج المحلي الإجمالي) ولبنان 70,8 مليار دولارا، ويعتبر السودان الذي لم تستقر أوضاعه منذ الإستقلال من أكثر الدول العربية استدانةً، ولا يتجاوز حجم ديونه 66,6 مليار دولارا، لكن هذا المبلغ يمثل 221,5% من الناتج المحلي الإجمالي وتبلغ ديونالبحرين 56,8 مليار دولارا، وتمثل 142,5% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تمثل ديون الأردن حوالي 90% من الناتج المحلي الإجمالي وديون تونس 80,6% من الناتج المحلي الإجمالي…
يؤدّي ارتفاع حجم الدّيون إلى خفض الإنفاق الحكومي وإلى فرض التقشف الذي يتضرر منه الفُقراء والأُجَراء، ويؤدي إلى خفض النمو خصوصًا عندما تصل نسبة الدّين 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وقدّرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ( أونكتاد) حجم الدّيْن الخارجي للدّول النامية بنحو 31 تريليون دولار، وبلغت خدمة الدين 487 مليار دولار سنة 2023، وخصّصت 61 دولة “نامية” أكثر من 10% من إيراداتها لمدفوعات الفوائد، أي أكثر من الإنفاق على التعليم والصحة، فيما يعيش 3,4 مليارات شخص في دول تنفق على الفوائد أكثر مما تنفقه على الخدمات الأساسية…
ارتفاع سعر الذّهب
أشرنا إلى إن الدّولار لم يعد ملاذا آمنا كما كان، ولذلك أصبح المُستثمرون يراهنون على ملاذات أخرى، مثل المعادن الثمينة، فارتفع سعر الذهب بنسبة 72% منذ بداية سنة 2025، ليبلغ يوم الإربعاء 24 كانون الأول/ديسمبر 2025، رقما قياسيا ( 4524,40 دولار للأوقية)، بعد ارتفاع حدّة التّوتّر والتّهديدات الأمريكية لفنزويلا ومحاصرة صادراتها النّفطية، وبفعل توقُّع خفض أسعار الفائدة الأميركية، كما بلغ سعر الفضة أعلى مستوياته على الإطلاق، وارتفع بنسبة 149% منذ بداية العام 2025، ليصل إلى 72,35 دولار للأونصة، كما ارتفع سعر البلاتين والبلاديوم إلى مستويات قياسية…
استفاد الذهب من خفض أسعار الفائدة الأمريكية، والتوقعات باستمرار السياسة النقدية المُيَسّرة، إلى جانب تصاعد الصراعات الدولية، وزيادة الطلب من المصارف المركزية التي تسعى إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، أي إن رفع احتياطي الذّهب يكون على حساب الدّولار الذي يفقد صفته كملاذ آمن…
من تأثيرات الرّسوم الجمركية
اتّسمت سنة 2025 كذلك بارتفاع نسبة التّضخّم بفعل الرسوم الجمركية وارتفاع الأسعار، وبركود الإقتصاد الألماني – قاطرة الإقتصاد الأوروبي – وتريد الحكومة الألمانية معالجة الوضع من خلال زيادة الإنفاق الحكومي على التسلّح والبنية التحتية، وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تباطؤاً طفيفاً في النمو العالمي، من 3,2% سنة 2025 إلى 2,9% سنة 2026، بسبب عدّة عوامل، من ضمنها الرّسُوم الجمركية التي رفعت متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية من 2,5% بنهاية سنة 2024 إلى 17,9% بين شهْرَيْ نيسان/ابريل وكانون الأول/ديسمبر 2025، وهو أعلى مستوى منذ سنة 1934، وأدّت الرُّسُوم الإضافية إلى إعادة تشكيل تدفقات التجارة العالمية وإلى عدم الإستقرار وإلى تغييرات في سلاسل التوريد، وإلى احتداد التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، خصوصًا في مجالات مثل معدات الدفاع المتقدمة ورقائق الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والروبوتات، مما قد يؤدّي إلى استمرار نمو قطاع الذكاء الاصطناعي خلال سنة 2026، إذ خصصت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مئات المليارات من الدولارات لبناء وتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وقد تستمر “ثورة الذّكاء الإصطناعي” لكن قد تُؤَدِّي طفرة الإنفاق على التكنولوجيا والذّكاء الإصطناعي إلى فقاعة قد تنفجر لتسبب انهيار الأسواق وما يلي ذلك من تأثيرات سلبية على النمو الإقتصادي العالمي…
أسفرت السياسات الحمائية التجارية التي أطلقتها الولايات المتحدة عن إعادة التفاوض حول الاتفاقيات التجارية، وتشكيل تحالفات جديدة وتغييرات سلاسل التوريد العالمية ورفع تكاليف التجارة وأسعار بعض السلع الغذائية والتكنولوجيا والصناعات التحويلية والمعادن الاستراتيجية، فقد كانت سنة 2025 سنة الحرب التجارية التي أثّرت في مسار الإقتصاد العالمي وأعادت تشكيل التحالفات الإقتصادية ومسارات التعاون، عبر تنويع الشراكات، وإعادة رسم خرائط سلاسل الإمداد، وفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) الذي أشار إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري العالمي – رغم الرسوم الجمركية – إلى مستوى قياسي بلغ 35 تريليون دولار، بفعل تعزيز التبادل التجاري بين “القوى المتوسطة في الجنوب العالمي” كأحد مظاهر إعادة تشكيل المشهد التجاري العالمي، وخصوصًا في جنوب شرق آسيا، حيث أطلقت رابطة دول جنوب شرق آسيا ( آسيان) اتفاقية إطار عمل الاقتصاد الرقمي التي قد ترفع قيمة التبادل بين الأعضاء إلى نحو تريليُونَيْ دولار، سنة 2030، وكذلك في إفريقيا حيث تم تأسيس منطقة التجارة الحرة الأفريقية، كما ارتفعت درجة التعاون بين بلدان وشركات آسيويا وأميركا الجنوبية وارتفاع حجم التجارة بالعملات المحلية، وتوسيع الاتفاقيات في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والمواد الخام، مما قد يؤدّي تغييرات هامة في مسارات التجارة الدّولية…
ركزت قمة مجموعة بريكس للعام 2025 على تعزيز التعاون الاقتصادي بينها وبين دول “الجنوب العالمي”، وتنسيق السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والاستثمار وتعزيز قدراتها على مواجهة الأزَمات والعمل على توسيع حصتها من النظام الإقتصادي العالمي، ويُتوقّع أن يستمر استكمال هذا المسار سنة 2026، لمواجهة تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي في ظل استمرار مخاطر القرارات الحمائية والضغوط الأمريكية والأوروبية…
رغم الحرب التجارية التي أطلقتها الولايات المتحدة، ورغم زيادة الرسوم الجمركية، ارتفعت قيمة التجارة العالمية بنحو 4% ليتجاوز حجمها 35 تريليون دولار أميركي سنة 2025 وفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أنكتاد)، بفعل توسع الخدمات ونمو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ونمو التجارة بين بلدان الجنوب ذات الإقتصاد المتوسط، ويشير تقرير “أنكتاد” إلى إن قرابة 90 % من التجارة العالمية تعتمد على تمويل التجارة وعلى أنظمة الدفع عبر الحدود…
آفاق 2026
يتوقع تقرير نشرته صحيفة “ذي إيكونوميست” استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحديد المسارات السياسة والاقتصادية على الساحة الدولية، بفعل القرارات التي يتخذها دون احترام القواعد التي سارت عليها العلاقات الدّولية منذ عُقود، وقد تستفيد قطاعا التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي من الإستثمارات سنة 2026، سنة الإنتخابات النصفية في الولايات المتحدة ( تشرين الثاني/نوفمبر 2026) في ظل الحرب الفاترة بين الولايات المتحدة والصّين، وفي ظل التحالفات الجديدة النّاشئة، نتيجة القرارات الأمريكية التي همّشت أوروبا ( العمود الفقري لحلف شمال الأطلسي) منذ الحرب في أوكرانيا ( شباط/فبراير 2022) ومقاطعة أوروبا الغاز الروسي الرّخيص، واضطرار دول الإتحاد الأوروبي – بفعل الضّغط الأمريكي – إلى زيادة الإنفاق الحربي، في ظل تباطؤ النمو الإقتصادي وارتفاع مستوى الدّيون والعجز، وإقرار سياسيات التقشف، وتهديد السلطات اليمينية القائمة في معظم دول الإتحاد الأوروبي بارتفاع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تحكم في بعض البلدان ( إيطاليا والمجر وبولندا) وتُشارك – من موقع قوي – في حكومات سويسرا ( وهي ليست عضوا في الإتحاد الأوروبي وتدّعي الحياد ) والسويد وهولندا والنمسا وغيرها، وقد تحكم فرنسا وألمانيا والبرتغال وإسبانيا ودول شمال أوروبا لاحقًا…
تُعتبر الصين المنافس الرئيس للولايات المتحدة، لكن عانى اقتصادها سنة 2025 من الانكماش وتباطؤ النمو ووفرة الإنتاج الصّناعي، لكن تعاملها مع دول الأطراف يختلف مع تعامل الولايات المتحدة، فهي لا تفرض شروطًا سياسية، ولا تهتم بالسياسات الدّاخلية، مما مكنها من الحصول على ثقة العديد من أنظمة آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، حيث تنجز الصين مشاريع البنية التحتية والموانئ البحرية والجَوِّيّة والطرقات والسكك الحديدية ومحطات توليد الكهرباء ومشاريع الطاقات المتجددة، إلى جانب استغلال المواد الأولية من معادن ومحروقات وما إلى ذلك…
ساهم انخفاض قيمة الدّولار الأمريكي بنسبة 10% مقابل العملات الرئيسية الأخرى في ارتفاع حجم التجارة العالمية سنة 2025، و يُتَوَقّع استمرار هذا التراجع سنة 2026، لأن الدّولار لم يعد ملاذًا آمنا في ظل السياسات الاقتصادية التي تتبعها الولايات المتحدة، والتي تفتقر إلى الاستقرار الكافي في المرحلة الحالية، مما أدّى إلى ارتفاع الطلب على الذّهب وارتفاع أسعاره…
استقطَبَ قطاع الذّكاء الإصطناعي استثمارات هامة سنة 2025، ولا يزال يجتذب استثمارات أخرى بنهاية العام، مما يُؤشر إلى استمرار الإستثمارات الضخمة التي تجاوزت 600 مليار دولار خلال العام 2025، ويُتوقَّعُ أن ترتفع إلى ما بين 4 و5 تريليونات دولار بحلول سنة 2030، ما يجعل هذا القطاع محوراً أساسياً في حركة الأسواق العالمية…
خاتمة
تقتصر تحليلات “الخُبراء” و “المنظمات الدّولية” والمصارف وغيرها من المؤسسات على دراسة حركة رأس المال والإستثمار والتجارة ونسب الفائدة والتضخم وما إلى ذلك، مُهْمِلَةً القوى المُنتِجة التي تخلق الثروة، فالمُضاربة والأسواق المالية تخلق ثروة افتراضية، لا قاعدة مادّيّة لها، لأن الإقتصاد الحقيقي ( الصناعة والزراعة والخدمات الإجتماعية…) هو المنتج الأول للثروة، ولذا فإن السؤال المهم هو: من يستفيد من ارتفاع أو انخفاض الأسعار أو من زيادة حجم التجارة أو من ارتفاع نسبة النّمو؟
إن القضية الأهم ليست في ارتفاع النمو بحدّ ذاته، وإنما في طريقة توزيع ثمرة النّمو، مع الإشارة إلى ضرورة التفريقي بين النّمو ( نمو الإقتصاد أو الناتج المحلي الإجمالي) والتنمية التي تعني تحسين ظروف عيش المواطنين وحصولهم على الغذاء الكافي والصّحّي والتعليم الجيّد والمسكن اللائق والنّقل المُريح والعمل بدَخل مُجْزِي، والقضاء على الفقر والبطالة والتشرّد والأمراض الخطيرة والمُعْدِية الخ، في مجتمع يبذل فيه كل شخص جهده للإنتاج ما يحتاجه المواطنون ويحصل فيه كل مواطن على حاجياته المادّية والثقافية والفكرية والترفيهية…
2025-12-31