وقفات مع سيرة الحزب الشيوعي العراقي ( الحلقة – 2 – 7 )!
علي رهيف الربيعي*
وعندما أتخذ القرار بتنحية حميد عثمان عن مركز السكرتير العام للحزب، فقد أصبح على الفور بطل ” النظرة وحيدة الجانب” و ” القرارات الفردية” و ” الأوامر الهستيرية” ولم يتوقف النقد عند هذا الحد، وإنما اردفوه بالتوصيفات التالية وأضفوا عليه كما يقول حنا بطاطو (1) :
” فهو لم يقتصر على إتخاذ مبادرات متميزة” بالمغامرة والتهور ” وزج افضل مقاتلي الحزب في” معارك إنتحارية”، وعلى إظهار العجز عن تنفيذ سياسية مشتركة مع القوى الوطنية الأخرى مما عزل الحزب سياسيا فقط، بل إنه تحرك أيضا” بروح الغرور والعداء تجاه الأحزاب الشقيقة” ولم يول اي إهتمام حقيقي للتجربة الأمامية”.
وسيضفي زكي خيري في مذكراته الشخصية التي جرت الإشارة إليها فيما مضى، نعوت المبالغة وتشويه الوقائع على القائد السابق للحزب عبر قوله :
” كان بعض الرفاق، ومنهم حميد عثمان ، يبالغ فيما لحقه من تعذيب (..) ” وكانت بطولة” حميد عثمان هي إدعائه بأنه تحمل تعذيبا يفوق طاقة البشر، وإنه مع ذلك لم يعترف ، وقد إنطلى ذلك الإدعاء على الجميع”، ونسب زكي خيري لمحمد مهدي الجواهري الشاعر الكبير، رواية، أوضح فيها كيفية إكتشافه قصة إعترافات حميد عثمان ( خيانته للحزب ” (2).
وسيصفون رفاقهم في المكتب السياسي للحزب الذي جمعهم من الذين إختلفوا معهم بصدد قضايا داخلية، بألفاظ تحقيرية ( مثل الكذب، الانتهازية، العمالة”، ففي البيان الختامي لاجتماعات موسع أيلول / سبتمبر سنة ١٩٦٢ م ورد ما يلي :
إن دور الحزب في السنوات ال ( 3) ، قد نما وتعزز جنبا إلى جنب مع الكفاح ضد الإنتهازية التي ذر قرنها، وبوجه خاص ، في مجرى الكفاح ضد الذيلية والتذبذبية والإستسلامية وااتصفوية ، التي ولدها رحم البرجوازية الصغيرة التي تحيط بالحزب والتي تسربت لداخل الحزب ، وراء مفاهيم وشعارات مختلفة، وعبر العناصر غير المنصهرة في الحزب “.
إذ، هناك ظواهر في الحزب نمت على تربته بعد أن ذرت قرنها فيه، وقادتها العناصر غير المنصهرة به، والتي تمكنت من التسرب للحزب، ولكنها مع ذلك ستتبوا أعلى المراكز الحزبية.. ؟.
ولكن من هم الرموز الممثلة لهذا التيار؟.
يجيب البيان المعبر عن الإجتماع الموسع للجنة الحزب المركزية، على اغلب تساؤلاتنا تلك بقوله التالي :
لقد عملت المعارضة التكتلية الإنتهازية المؤلفة من الرفاق محمد ( عامر عبد الله)، نهاد ( بهاء الدين نوري)، ثامر ( محمد حسين ابو العيس)، جندل ( زكي خيري) على عرقلة جهود القيادة لدراسة الوضع في البلاد ، وعلى إعاقة القيادة من وضع سياسية مدروسة بوعي وبيقظة وأناة للتراجع الذي فرض على الحزب، كما عملت على ربط مصير الحزب ومستقبله بتلك المرحلة ، وعلى تكييف شعارات الحزب وسياسته وتركيب قيادته طبقا لمصالح البرجوازية الحاكمة ” ( حكومة عبد الكريم قاسم الوطنية).
و” قد عملت بإصرار في محاولات لحرف سياسة الحزب الأممية وتقاليده الراسخة في هذا الشأن ، ولطمس الدور الطليعي للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي في الحركة الأممية “، اي قام هذا التكتل القيادي ( والذي منح الصفات التكريمية سابقا) بوعي مسبق في محاولات لحرف الحزب داخليا طمس الدوري الطليعي للشقيق الكبير خارجيا، الأخ الأكبر.
وقيام هذا التكتل بارتكاب الأخطاء النظرية، نظرا ” لضيق الأفق القومي البرجوازي في هذه المسألة، وكذلك بالنسبة للقضية القومية الكردية أو بالنسبة لقضية الكويت” (3).
أما الجواب على السؤال الذي يتعلق بالموقع التنظيمي لأبطال هذا التكتل ، فالتطورات اللاحقة قد كشفت عنه بالنسبة لمن تبقوا أحياء حتى أواخر القرن الماضي، ولم ينجوا من حملة التبشيع الدعائية للقيادة الرسمية للحزب الشيوعي العراقي سوى محمد حسين ابو العيس ( ثامر) لموته المبكر في قصر النهاية سنة ١٩٦٣ م.
وسيغدو الجناح ” اليساري” الذي إنشق عن تنظيم اللجنة المركزية بدعوى مساومته للنظام على التنظيم، وعدم حسمه لموضوعة استلام السلطة، وأطلق على نفسه إسم ” الحزب الشيوعي – القيادة المركزية”، واتبع الطرق الغيفارية في العمل …
” إتباع الوسائل العنيفة والغدر والشقاوة والتآمر ، باستخدام عنصر ” الكتمان والمباغته ” الإنقلابي المسلح ضد الحزب..” (4).
يتبع…
(1) راجع كتاب حنا بطاطو، العراق الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار، الكتاب الثالث، الطبعة الصادرة في سنة ١٩٩٢، ص١٣ – ١٤، والفقرة المكتوبة أجملت بتكثيف شديد قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي المتبناة خلال الجلسة الشاملة التي عقدت في تموز ١٩٩٥ م، والمتعلقة بالقيادة الفردية وبمسؤولية الرفيق (ص) ( حميد عثمان) ص ١٣ – ١٤، كما يروي الهامش ب ” ٤”.
(2) راجع كتاب مذكرات زكي خيري، مصدر سبق ذكره، ص ١٤٩.
(3) راجع كتاب صلاح الخرسان، ص١٠٠ – ١٠١، صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية العراقية، إصدار دار الفرات ط، الأولى سنة ١٩٩٣.
(4) راجع كتاب دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، المجلد الأول، تأليف زكي خيري وسعاد خيري. إصدار بمناسبة اليوبيل الذهبي، الطبعة الأولى سنة ١٩٨٤ ص ٤٤٢.
2025 /12 / 27