لا يمكن تحقيق التنمية الشاملة مع نظام سياسي يعتمد على المحاصصة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تُعد التنمية الشاملة هدفاً استراتيجياً لأي دولة تسعى إلى بناء مجتمع متماسك واقتصاد قوي ومؤسسات مستقرة. غير أن التجربة العراقية بعد عام 2003 تقدّم مثالاً صارخاً على الإخفاق في بلوغ هذا الهدف، وذلك بسبب تبنّي نظام سياسي يقوم على مبدأ المحاصصة بدلاً من الكفاءة والمواطنة.
أولاً: المحاصصة وتفكيك الدولة
المحاصصة الطائفية والإثنية جعلت الدولة العراقية أسيرة الولاءات الفرعية، إذ جرى توزيع المناصب العليا والوسطى وفق معايير الانتماء الديني أو القومي أو الحزبي، لا على أساس الكفاءة والنزاهة. هذا الترتيب أدى إلى:
• تهميش مبدأ المواطنة لصالح الانتماء الضيق.
• إضعاف مؤسسات الدولة وتحويلها إلى إقطاعيات سياسية.
• إقصاء الكفاءات الوطنية التي كان يمكن أن تساهم في البناء والإصلاح.
ثانياً: أثر المحاصصة على التنمية
إن التنمية الشاملة ليست مجرد مشروعات اقتصادية أو خطط نظرية، بل هي عملية متكاملة تشمل: الاقتصاد، التعليم، الصحة، البنية التحتية، العدالة الاجتماعية، والحريات العامة. لكن نظام المحاصصة جعل هذه المجالات جميعاً تدور في حلقة مفرغة:
• الفساد الإداري والمالي تحوّل إلى بنية ممنهجة تخدم أحزاباً معينة.
• المشاريع التنموية فقدت استمراريتها بسبب تغيّر التوازنات السياسية.
• غابت الرؤية الوطنية الموحدة التي تضع مصلحة الشعب فوق الاعتبارات الفئوية.
ثالثاً: استحالة التنمية مع غياب الحوكمة الرشيدة
التنمية الشاملة تحتاج إلى حوكمة رشيدة قوامها الشفافية، المساءلة، المشاركة، وسيادة القانون. غير أن نظام المحاصصة يُناقض هذه المبادئ جوهرياً، لأنه يرسّخ منطق الصفقة السياسية لا منطق الخدمة العامة. وبذلك، تصبح المؤسسات أداة لتوزيع الغنائم، لا وسيلة لتحقيق العدالة والتنمية.
رابعاً: البديل الممكن
لا سبيل أمام العراق ـ أو أي دولة أخرى غارقة في نظام المحاصصة ـ سوى تبني مشروع دولة المواطنة، التي تضع:
1. الكفاءة فوق الانتماء في التعيينات والوظائف.
2. التخطيط الاستراتيجي بدلاً من القرارات اللحظية.
3. القضاء المستقل كضمانة للعدالة.
4. الهوية الوطنية الجامعة بديلاً عن الولاءات الفرعية.
خاتمة
إن التجارب العالمية أثبتت أن التنمية الشاملة لا يمكن أن تُبنى على أسس هشة من المحاصصة وتقاسم النفوذ. فالدولة التي تجعل انتماء الفرد مقدماً على قدرته، وتضع الولاء فوق النزاهة، محكوم عليها بالعجز عن النهوض. وباختصار: لا تنمية شاملة من دون نظام سياسي رشيد يعلي قيمة المواطنة والعدالة، ويضع الإنسان في مركز العملية التنموية.
2025-09-1