مستقبل العلاقات بين إيران والقوى الأوروبية على المحك!
تشهد العلاقات بين إيران والترويكا الأوروبية تصعيداً حاداً، مع تهديدات متبادلة وتوقعات متضاربة حول مصير ما تبقى من الاتفاق النووي لعام 2015.
سعيد محمد*
اشتدت المواجهة بين إيران ودول الترويكا الأوروبيّة — فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة — مع اقتراب نهاية المهلة الزمنية القانونية للجوء إلى ما يُعرف بآلية “إعادة فرض العقوبات Snapback ” في أكتوبر / تشرين أوّل المقبل. وبينما تُلوِّح أوروبا باستخدام هذه الآلية بحجة “الانتهاكات الإيرانية الجسيمة” للاتفاق النووي 2015، توعدت طهران بـ”ردّ متناسب ومناسب”، محذّرة من أن خطوة كهذه ستُنهي فعلياً الدور الأوروبي في الملف النووي، وتفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة جديدة من التصعيد ما قد يطوي صفحة اتفاق عام 2015 بشكل نهائي.
الوعيد الإيراني جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي خلال مؤتمر صحفي عقده في طهران، حيث وصف تهديد الترويكا بأنه “سياسي وانتقائي ولا-أخلاقي، ويفتقر إلى أي أساس قانوني” لأن القوى الاوروبية أخلّت أولاً بالتزاماتها، ولم تلتزم بتعهداتها التجارية والمالية تجاه إيران بعد خروج واشنطن من الاتفاق. وقال بقائي: “الدول الأوروبية الثلاث ليست في موقع أخلاقي أو قانوني يسمح لها بتفعيل هذه الآلية” مشدداً على “رد متناسب ومناسب” من بلاده إذا فُعّلت.
في الخلفية هذا الكباش الدبلوماسيّ، تتداخل الحسابات القانونية مع المشهد الأمني المتوتر منذ أن شنّت إسرائيل، بدعم أمريكي مباشر، سلسلة من الهجمات الجوية على منشآت إيرانية نووية وعسكرية استمرت 12 يوماً في يونيو/حزيران الماضي، قبل أن تتدخل واشنطن لرعاية وقف إطلاق نار هشّ.
وبعد تلك الهجمات أعلنت إيران تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، متهِمة المنظمة الأممية بالتحيّز والتواطؤ عبر تقديم معلومات أمنيّة سهلت الهجمات الإسرائيلية. وفي الوقت ذاته، أقرّ البرلمان الإيراني قانوناً يُخضع أي تفتيش جديد لمنشآت البلاد النووية لموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، ما يعني فعلياً تجميد صلاحيات الوكالة الدولية في مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية.
ورغم ذلك، حاول وزير الخارجية عباس عراقجي التخفيف من التصعيد عبر إعلان أن التعاون مع الوكالة “لم يتوقف، بل سيتخذ شكلاً جديداً”، مؤكداً على استعداد طهران لاستئناف المحادثات النووية بشرط وجود “ضمانات” بعدم تكرار الهجمات، وأن تقتصر أي مفاوضات على الملف النووي حصراً دون المساس بالقدرات العسكرية الإيرانية.
في المقابل، تبدو الترويكا في موقف حرج ديبلوماسياً، إذ بعدما لعبت دوراً محورياً في صياغة الاتفاق النووي عام 2015، تجد نفسها اليوم على الهامش، غير قادرة على التأثير في سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران أو كبح جماح إسرائيل. ومع تكرس انعدام ثقة الإيراني بالترويكا — التي يرى فيها قادة طهران شريكاً ضعيفاً يتبع واشنطن ولا يملك إرادة سياسية مستقلة خاصة بعد إعلان فرنسا دعمها للضربات الإسرائيلية بشكل غير مباشر، وتأكيد برلين أن إسرائيل “أنما تنفذ هذا العمل القذر من أجلنا جميعاً”، وفق تعبير المستشار الألماني فريدريك ميرتز -، فإن هوامش دور وساطة أوروبية تتقلص باستمرار.
في السياق ذاته، هددت مصادر إيرانية بأن لجوء الأوروبيين إلى تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات — المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 2231 — قد يدفعها للانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ما يعتبره خبراء منعطفاً خطيراً قد يفتح المجال أمام تطوير طهران سلاحاً نووياً كخيار ردعي.
وعبّرت صحيفة “كيهان”، المحسوبة على مكتب المرشد الأعلى، بوضوح عن هذا التوجه، مشيرة إلى أن الغرب يسعى لاستخدام الاتفاق النووي كأداة لتجريد إيران من التكنولوجيا النووية، دون تقديم ضمانات أمنية في المقابل. بينما ذهب المسؤول الأمني الإيراني محمد جواد لاريجاني أبعد من ذلك، مهدداً علناً الأوروبيين قائلاً: “لم يعد بإمكانهم التحرك براحة لاستهدافنا … خمس طائرات بدون طيار يمكن أن تضرب أي مدينة أوروبية”.
ويبدو أن عقدة هذه الأزمة المتفاقمة تكمن فيما أشار إليه مدير الاستخبارات الفرنسية نيكولا ليرنر، الذي نقل عنه أن البرنامج النووي الإيراني، وفق تقييمات جهازه، قد تعرّض لأضرار “بالغة”، وأن بعض مخزونات اليورانيوم المخصّب قد تلفت، إلا أن الكتلة الأهم منها ما زالت مجهولة المصير. وبهذا المعنى، فإن الجدل لم يعد حول “ما إذا كانت إيران تسعى لبناء قنبلة نووية”، بل حول ما إذا كانت ستتجه إلى عسكرة برنامجها النووي كردّ استراتيجي على الهجمات. وكتب الدبلوماسي الأوروبي السابق إنريكي مورا مقالاً قال فيه “يبدو أن إسرائيل لم تدمّر البرنامج النووي الإيراني، بل قتلت فرص الدبلوماسية”، مضيفاً أن “21 يونيو 2025 قد يُسجّل كيوم ولدت فيه إيران النووية بشكل لا رجعة فيه”.
وفي هذا المفترق، لم يعد أمام الترويكا عمليّاً سوى خيارين: إما المضي في آلية إعادة فرض العقوبات وتحمل تبعات التصعيد مع إيران، أو السعي لتجميد التوتر عبر عرض تسوية تحفظ ماء وجه طهران – التي تصرّ على حقها الكامل في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية ضمن إطار السيادة – وتعيد تفعيل أدوات الرقابة الدولية توازياً مع تخفيض سريع في مستويات التخصيب.
ورغم كل ذلك، لا تزال هناك نافذة ضيقة للدبلوماسية، من خلال المحادثات المزمع استئنافها تالياً في عُمان بين طهران وواشنطن. غير أن عراقتشي شدد على أن “الموضوع الوحيد الممكن التفاوض بشأنه هو البرنامج النووي، ولا مجال للحديث عن الصواريخ أو الملفات الإقليمية”. الأمر الذي يتعارض مع ما تتقاطع عليه القوى الغربيّة وإسرائيل، والتي ترى أن أي اتفاق جديد يجب أن يشمل أنشطة إيران الإقليمية، وبرنامجها الصاروخي، وقضايا حقوق الإنسان – بما في ذلك إدراج ملف السجناء السياسيين -.
——————————————-
“إعادة فرض العقوبات Snapback “
تلوح في الأفق إمكانية إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران بموجب “آلية الزناد” (snapback mechanism) المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 2231، وهي بند أساسي وحاسم في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، أو ما يعرف صحافياً بالاتفاق النووي الإيراني لعام 2015. وقد صُممت هذه الآلية كورقة ضغط بيد القوى الغربيّة لضمان عدم مرور أي انتهاكات خطيرة من قبل إيران لالتزاماتها النووية دون رد حاسم.
وتسمح الآلية لأي طرف من الأطراف الموقعة على الاتفاق (وهي إيران، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة – بالإضافة إلى ألمانيا، والاتحاد الأوروبي) بتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إذا اعتقدت أن طرفاً آخر قد ارتكب “عدم امتثال كبير لالتزاماته”. وبمجرد تقديم هذا الإخطار من قبل إحدى دول الترويكا، يكون أمام مجلس الأمن 30 يوماً للتصويت على مشروع قرار من شأنه استعادة العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية إلى مكانها كما كانت قبل الاتفاق، ودون الحاجة للتصويت حول فرض عقوبات جديدة.
تاريخياً، حاولت الولايات المتحدة تفعيل آلية الزناد في عام 2020 بعد انسحابها من الاتفاق، لكن محاولتها قوبلت بالرفض من قبل مجلس الأمن، الذي رأى أن الولايات المتحدة لم تعد طرفاً في الاتفاق وبالتالي لا يحق لها تفعيل هذه الآلية. ومع ذلك، لا تزال دول الترويكا الأوروبية أطرافاً في الاتفاق، ولكل منها صلاحية طلب تفعيلها.
– لندن
2025-07-16