يقال إن الكتابة معاناة. ومنهم من يقول إنها تنفيس عن الألم، والاحباط، والانسحاق.
هي كذلك، ولكن التنفيس لا يتم إلا بعد أن يستجمع الإنسان كل مشاعر الحزن، والغضب، ويركزها في كتل تهدر كالشلالات تصب في قلبه، وتفعمه ألما، ووجعا، وحيرة، ثم ينفثها مثل الدخان في كلمات قد تخفق في نقل ما يحمّلها القلب من معان.
ومرات، ومرات، لا يكفي أن ينفث الكاتب همومه كالدخان، بل يُخرج شلالات الهموم من قلبه دموعا غزيرة من العيون.
أنا لا أستحي من أن أخبر الناس أني أبكي، وأبكي بحرقة، وأن أكثر بكائي يكون في حضرة السيدة العذراء، ألجأ إلى أحضانها في مدينتي الصغيرة في الدنمارك، كلما صار شعوري بالوحدة ساحقا، وامتلأ قلبي بالأحزان، وفاضت منه لتغرق كل كياني.
كيف يمكن أن لا يبكي الإنسان في هذا الزمن؟ حبس الدموع لم يعد من ميزات الرجولة، والرجولة نفسها لم تعد مفخرة – ليس بعد هذا البؤس الذي لا يتسبب به إلا الرجال.
ولو كنتُ قادرا، لجربت طريقة جديدة في محاولة إصلاح هذا العالم – بعد أن يئست من الدين، ومن الشيوعية، ومن الديمقراطية، ومن كل فكر أنتجه الرجل.
العالم اليوم بحاجة إلى رقة الأنثى، إلى حنان الأمهات، إلى حرص النساء على منح الحياة وحمايتها.
هناك أمل واحد في إنقاذ البشرية، ألا وهو أن تتولى النساء الحكم في العالم، فالرجل أثبت أنه نقيض الطبيعة، وأنه ينطوي على طاقة شيطانية معادية للحياة.
الرجل كائن منافق، ينافق وهو يتحدث في الدين، ينافق وهو يتحدث في الحرية والديمقراطية، ينافق عندما يتحدث عن الحق، والعدالة، والمساواة.
الرجل عنده هم حقيقي واحد، وهو السلطة، يسلك إليها كل السبل، ويسخّر في سبيل الوصول إليها كل ما تطاله يداه من وسائل. ثم حين يمسك بها لا يتخلى عنها إلا بالدم، والخراب، والدمار.
كيف لا تبكون وأنتم ترون ما يجري في العراق، وفي سورية، وفي ليبيا، وفي اليمن؟
تقولون أنكم لا تريدون أن يقال عنكم ما قيل عن عبدالله الصغير، أنه بكى مثل النساء ملكا مضيعا لم يحافظ عليه مثل الرجال؟
مخطئون أنتم، والله، فمن يضيّع ملكنا اليوم هم الرجال. لا تتفقون معي؟ لا بأس، سموهم أشباه الرجال. عند هذا عليكم أن تفسروا لي لماذا تنتج الأمة العربية اليوم هذا الكم الخرافي من أشباه الرجال؟
الأرض العربية من حلب حتى بغداد وصنعاء وطرابلس الغرب لم تعد بحاجة إلى غيوم السماء لتسقيها، فقد صارت ترتوي من دماء أبنائها. أقلب القنوات الفضائية. الدم .. الدم .. الدم. لا شيء غير الدم ..
اليوم في طول العراق وعرضه، في مدينة الصدر، وفي مدينة الشعب، وفي أبي غريب.
وأدخل في سجال مع الرجل الأبيض. إنه يقول “هكذا هم العرب .. منذ حرب داعس والغبراء، ومنذ حروب الردة .. والغزوات والفتوحات”.
وقبل أن أردّ عليه بأن هذا كلام الحاقدين، فليس على وجه الأرض أنظف من يد العربي، حين تمتد إلى الأمم الأخرى، يخذلني صديقي “الأسود”.
يقال عن أجدادنا أنهم غزوا، وقتلوا. ولكن مهلا، ورحمة بالتاريخ. هناك من أباد شعوب قارات بأكملها، وأجدادنا لم يزيلوا ملة واحدة من الوجود.
أين من كانوا يسكنون القارة الأمريكية قبل ثلاثة قرون؟ أين من كانوا يسكنون قارة أستراليا قبل قرنين؟
أبادهم الرجل الأبيض الذي يدعي أنه يحمل الحضارة إلى الشعوب.
لو كان أجدادنا فعلوا في الأندلس مثلما فعل الأوروبيون في أمريكا، لما استطاع الإسبان إخراجهم من هناك بعد ثمانية قرون لأنهم (أي الإسبان) كانوا قد زالوا من الوجود مثلهم مثل الهنود الحمر.
ولو كان أجدادنا فعلوا في العراق وسورية ما فعله الأوروبيون في أستراليا لما كنتم رأيتم اليوم هناك غير العرب، ولما بقيت من الملل المندثرة إلا ما بقي من الـ (aboriginals) في أستراليا.
أقول، قبل أن أقول كل هذا أقحم صاحبي الأسود نفسه في السجال، وبدلا من أن يعينني أومأ برأسه موافقا على ما قال الرجل الأبيض، وأضاف “كل هذا بدأ بالسقيفة. هناك بدأ كل شيء .. كل شر”.
انسحبت من السجال، ونفثت همومي إلى سقف المنزل، ورحلت إلى حيث يمكن أن أرى العراق. يقولون لي .. تبكي؟ كيف لا أبكي وأنا أرى أن العراق هو البلد الوحيد في العالم حيث ينقل الجرحى الذين تخلفهم التفجيرات إلى المستشفيات بعربات خشبية يدفعها الناس راكضين.
لا وجود لسيارات الإسعاف؟ تريليون دولار اختفى من ميزانية العراق في بضع سنوات، وصار الإنسان العراقي أقل قيمة من الحشرات!!
ضحكت أيضا، وشر الضحك ما يحل محل البكاء، فالامتحانات في البلد جرى تأجيلها لأن اليوم المحدد لها تبين أنه يتصادف مع ذكرى مولد أو موت أحد الأئمة قبل قرون. قلت في نفسي “رحمك الله يا عبدالرحمن محمد عارف.” أتذكر أن الرجل حين استلم رئاسة الجمهورية في العراق جاء بخطاب رئاسي عصري.
كان رحمه الله حريصا على أن يقدم للشعب أرقاما إحصائية عن اقتصاد البلد – حتى عدد ساعات العمل السنوية، وحريصا على أن يرسم صورة التطور الذي يجري من الحاضر نحو المستقبل، بالأرقام.
كان يتصرف وكأنه رئيس دولة غربية، يعرف أن الشعب ليس بحاجة إلى خطابات إنشائية، بل إلى الكشف عن خطط، وعن أرقام تشير إلى الواقع المتغير.
كان الرجل صفحة مشرقة في تاريخ العراق. كان عسكريا قضى عمره مع السلاح، لكنه كان في السياسة رجلا معاصرا ومسالما، يعرف أن الحاضر والمستقبل هما في لب اهتمامات الناس .. فما يهم الناس هو أن يعرفوا أين هم الآن، وأين سيصبحون غدا.
الفرد والأمة يقاس نجاحهما بمقدار الإفلات من اخفاقات الماضي، ومعاناته، والتطلع إلى أمام. أما التخلف ففي الحالتين يقاس بالدوران في دوامات الماضي .. الماضي الذي صار تاريخا انتهت أحداثه، وانتهى صانعوه، وانتهت صراعاته وحروبه، وازدهاره، وأمجاده.
لم أدعُ في يوم من الأيام إلى إلغاء التاريخ، ولا إلى إنكاره. ما دعوت إليه دائما هو أن نتقبل تاريخنا، ونفهمه بطريقة عقلانية، ونعيد فهمه، وقبل كل شيء أن نعتقه، ولا نحمله مسؤولية ما نعاني منه في الحاضر.
علينا أن نعتبره تاريخا، لا غير. هكذا تفعل الشعوب القوية، المتقدمة، فهي تقيم علاقة متوازنة مع تاريخها، فتجد ذلك التاريخ في متاحفها، وكتبها، وأسماء مدنها، وشوارعها، بل وفي أسماء الناس، ولكن لا تجد أبدا صراعا دار بين أشخاص في ذلك التاريخ يتحكم بمقدرات هذا الشعب، ويفرق شمله اليوم.
في أوروبا دارت قبل ثمانية عقود حرب طاحنة بين أممها. ولو أنك التقيت بأحد من أمة أوروبية من الجيل الذي عاش تلك الحرب، أو عاش بعدها بوقت قصير إذ كانت أحداثها الأليمة ما تزال حية في ذاكرة الناس، فإنك تجده ينفر من الأمة الفلانية، ويخشى من تكرر شرورها.
أما الأجيال الجديدة من كل الأمم فتداخلت ببعضها البعض في مشاريع عابرة للحدود، اقتصادية، بحثية، دراسية، إنسانية، بيئية، سياسية، عاطفية، عائلية، إلخ. تسألهم عن الحرب العالمية الثانية، فيقولون “تلك؟ نعم ولكنها أحداث قديمة”.
نعم، الحرب العالمية الثانية صارت بالنسبة إليهم “قديمة”، وهم معنيون بالحاضر، والحاضر لا مكان فيه لنبش التاريخ، أو إدانته، أو الانتقام منه، أو له، أو الافتخار به، ناهيك عن تقديسه، وعبادته، وتحويله إلى محرك للسلوك اليومي، وأساس للمواقف من الحياة ومن الغير.
إنها لحالة مرضية مستعصية على الشفاء أن يكون الإنسان في عداء مع تاريخه، تاريخه الذي مضت عليه قرون وعصور. التاريخ يمكن أن نتعلم منه، ولكن نكون أغبياء إن نحن ظننا أن من حقنا أن نحاكمه، ونحكم عليه، وندينه، والأنكى من ذلك أن نعيشه في كل لحظة من حياتنا في صورة ليس فيها إلا الأبيض والأسود.
حتى أولئك الذين يقضون أعمارهم، وهم يبحثون في التاريخ، وينبشون في القصص، والوقائع، والأحداث، والشخصيات، ويضعون نظريات في تفسير التاريخ، ليس من حقهم إصادر أحكام عليه، بل من حقهم إعطاء رأيهم فيه، وتقديم فرضياتهم ونظرياتهم، وتعبيد الطريق أمام غيرهم ليتمكنوا من الوصول إلى فهم أفضل وأعمق له.
نحن لسنا مؤرخين. التاريخ القريب عشنا أحداثه، ومع هذا لن نستطيع إصادر حكم قاطع على أشخاصه، وأحداثه، فكيف بالتاريخ البعيد؟ الإنسان، غير الباحث أكثر من الباحث، عنده أهواء ومشاعر، ومواقف، ولكن أيا منهما ليس صاحب الحقيقة كاملة.
أنا أعيد دائما اكتشاف التاريخ، وأفهمه أكثر كلما تقدمت في العمر.
ذات يوم كانت أغلى أمنيات كاتب هذه السطور كإنسان عراقي أن يبقيه الله حيا يوما واحدا بعد صدام حسين، أي أن يرى نهاية صدام، ويشفي غليله برؤيته يموت على أيدي العراقيين، وذلك لكثرة ما تسبب بها لنا من آلام، ومآسي.
اليوم لا أسقط عن صدام صورة الدكتاتور الجلاد الذي سلط على العراقيين حثالة الناس، وأعطاهم السلطة فقط لأنهم دخلوا في حزب البعث. ولكن عندما يدور الحديث عن السقيفة وما حولها، وأرى الطائفية تنخر في نسيج هذا الشعب، أعيد النظر في أمر صدام .. أتذكر شيئا رائعا عنه، فأنا تعلمت من صدام حسين رغم أنه كان عدوي.
عام 1968 حين استلم البعثيون الحكم في العراق. برزت بعد فترة قصيرة ثلاثة أسماء لامعة في أوساط الحكم: صدام التكريتي، وطه الجزراوي، وعزة الدوري.
وبعد مرور فترة أخرى من الزمن تنبهنا إلى أن لقب التكريتي قد رفع عن اسم صدام، وأضيف إليه اسم أبيه. كما أن طه الجزراوي صار يشار إليه باسم طه ياسين رمضان، وعزة الدوري صار عزة إبراهيم.
الألقاب انعكاس لغياب الوعي لدى الإنسان العصري بأنه يعيش ازدواجية.
لماذا أحمل لقبا ينسبني إلى مدينة، أو عشيرة، أو شخصيات تاريخية؟ لتمنحني في نظر الآخرين قيمة اجتماعية ترتبط بالمدينة أو العشيرة، وليس بإنجازاتي الشخصية؟
بالتأكيد فإن إسقاط الألقاب لم يمح تسلط أولئك الثلاثة، ومن ينتمون إليهم، مدنا كانت أو عشائر، ولكن المسألة رمزية، وضرورية لبناء هوية وطنية لا تعطى فيها العشائر، أو المدن، مكانة خاصة لانتساب الحكام إليها.
هذا أمر لن يمر على المؤرخ الباحث، خاصة عندما ينظر إلى من جاءوا إلى حكم العراق بعد صدام حسين.
يقول صاحبي الأسود إن السقيفة كانت بداية كل الشر.
أنا كنت متفقا مع صاحبي حتى عام 2003 في أن مؤتمر السقيفة (عقد سنة 633، أليس كذلك؟) كان مؤامرة استهدفت سلب أهل البيت حق الحكم – رغم قناعتي بأن ذلك الحق كان سيؤسس لنظام الحكم الوراثي، وهو بعيد عن روح الرسالة الإسلامية.
وكنت متفقا معه في أن الأمويين الذين أفسدوا وظلموا، ربما ما كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك لولا السقيفة.
وكنت متفقا معه في أن الدعوة ضد الأمويين في خراسان كانت لأهل البيت، لكن العباسسين سرقوها .. وحكموا بعدها لخمسة قرون، وكان ذلك بسبب السقيفة!
وكنت متفقا معه أيضا، من باب التمادي في الهذيان، في أن قيام دولة المغول في الشرق وزحفهم نحو بغداد وتدميرها وحرقها كان سببه السقيفة؛ وكنت أتقبل من باب مجاراة الهلوسة أن المئتي سنة من الفوضى في المنطقة العربية التي تلت سقوط بغداد، والتي عرفت البويهيين، ودول الخروف الأبيض والخروف الأسود، وغيرهم، كانت أيضا بسبب السقيفة.
وطردنا الإسبان من الأندلس، والحق كل الحق على السقيفة.
ثم جاء السلاجقة، والأتراك العثمانيون، وكان سر مجيئهم هو السقيفة. وبعد خمسمئة سنة من حكم العثمانيين جاء الانجليز والفرنسيون واستعمرونا مستغلين خطيئة السقيفة!
ثم جاء الشيوعيون إلى الحكم في العراق في خمسينيات القرن الماضي، وسحلوا الناس في الشوارع بأوامر من السقيفة. وأخيرا جاء صدام حسين وحزب البعث إلى الحكم في العراق عام 1968 بتوصية من مؤتمر السقيفة.
أيها الناس .. يا عقلاء العرب .. ألا توجد طريقة فهم، أو نظرية، غير السقيفة تفسر لنا أحداث ومآسي هذا التاريخ الممتد على أربعة عشر قرنا؟ ألم يأت ابن خلدون قبل أكثر من سبعة قرون بفهم منطقي للتاريخ؟
أليست هناك على الأقل نظرية مادية ديالكتيكية تاريخية؟ طيب خذوا شيئا من نظرية مالتوز، أو من هنتنغتون .. وارحمونا من الهذيان عن السقيفة!
أقول الحمد لله الذي أبقاني بعد صدام، لا لأرى نهايته – فلم تكن تلك النهاية التي كنت أتمنى رؤيتها، بل لأرى نهاية السقيفة، ففي 9 نيسان 2003 أخذ الله كل الظالمين من أهل السقيفة بذنوبهم – وحسبنا أننا ارتحنا من الحديث عنهم.
أنا لم أر ما حدث ذلك اليوم، لم أر (أبدا!) الدبابات الأمريكية في شوارع بغداد يوم 9 نيسان 2003، ولا صحفيات إسرائيليات ينزلن من الدبابات مستبشرات بأن بغداد صارت أخيرا مرتعا لهن.
لم أر شيئا من ذلك!! بل رأيت شيئا واحدا، وهو سقوط السقيفة مع تماثيل صدام حسين، وعودة أمور المسلمين إلى نصابها.
في 9 نيسان 2003 انطوت صفحة السقيفة، هُدمت، وهرب المؤتمرون المتآمرون فيها، فصرت ترى في مراكز الحكم في العراق العمامة تنطح العمامة.
لم نكن نعرف أن العراق فيه هذا العدد المخيف من العمائم، جاءت من كل صوب وحدب تحمل رايات أهل البيت، تقدم البيعة والطاعة لمحرر العراق بول بريمر، وتدخل في مجلس حكم بريمر، وفي سقيفة بريمر التي يسمونها اليوم بالبرلمان، وتصوت لدستور بريمر الذي ألغى دستور السقيفة. والحمد لله رب العالمين.
بعد معاناة في ظل الحكام الجائرين من أهل السقيفة دامت (2003 – 633 =) ألف وثلاثمئة وسبعين سنة أعاد الله وبريمر الحكم إلى أهله، إلى أنصار أهل البيت، فماذا نريد بعد ذلك؟
أما كان ذلك ليصبح بداية لنشر العدل، ورفع راية الحق، وتحقيق المساواة والسلام، والأمن والطمأنينة، كما كان عليّ كرم الله وجهه سيفعل لولا السقيفة؟
يا سادة قريش: ابراهيم الجعفري، نوري المالكي، حيدر العبادي، هادي العامري، موفق الربيعي، حنان الفتلاوي، حسين الشهرستاني، صالح المطلق، طارق الهاشمي، عمار الحكيم، سليم الجبوري، أسامة النجيفي، محكان الغضبان، محمد الدايني، عباس المحمداوي، سعد الحديثي، وشركاهم. لا نسألكم عن السقيفة، بل نسألكم:
ما هذا؟ هل هناك قرار من بريمر يمنع عليكم استخدام أسماء آبائكم، أو أجدادكم؟ هل استخدام الألقاب هو ما يجمعكم؟ أليس لكم آباء، أو أجداد لتحملوا أسماءهم؟ أم أنكم تستحون من أسماء آبائكم؟
الآن نرى أن مؤتمر السقيفة قبل ألف وثلاثمئة وسبعين سنة كان رحمة من رب العالمين بأهل البيت الكرام، فلو أن عليا كرم الله وجهه استلم الحكم يومها، وكان أمثالكم من أنصاره، لانتهى الإسلام هناك، واندثرت كرامة أهل البيت عليهم السلام.
رب العالمين أراد الخير بأهل البيت فأوحى إلى أهل السقيفة ما أوحى، أو ليس هذا تفسير قوله تعالى {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (الأحزاب: 33). كان أمثالكم سيأتون بكل رجس باسم عليّ، كما تفعلون اليوم، ولكانت تبعات أعمالكم تقع على عاتق أهل البيت.
لو كان عليّ اليوم حاضرا، فأين كان مكانه من سقيفتكم، برلمان بريمر؟ لكان يبقى في بيته، ويطعم على حبه مسكينا، ويتيما، وأسيرا، لا يريد من أحد جزاءً ولا شكورا.
ثلاث عشرة سنة بعد انطواء مؤتمر السقيفة وصعود العمائم إلى الحكم لم ينتج نظام بول بريمر غير الفساد، وغير اللصوص، والقتلة، وعديمي الضمائر، والأذلاء، وأدنياء النفوس الذين سرقوا المليارات من قوت الشعب، ولم يتخلوا عن الملاليم التي يستلمها بعضهم في الدنمارك كمساعدات اجتماعية للمحتاجين.
أنتم، يا سادة قريش، بيضتم بأفعالكم وجوه كل من سبقوكم.
ماذا فعلوا ولم تفعلوه أنتم؟ على العكس، فمن قبلكم أقاموا دولا قوية ومتقدمة، بينما أنتم جئتم لتفرقوا شمل المسلمين، فلم تكتفوا بتقسيم العراق الموحد، بل وقسمتم بغداد نفسها، فهذا الحي تابع للمعمم الفلاني، وذلك الشارع يتبع السيد الفلاني، إلخ.
ماذا فعلتم للفقراء من أنصار أهل البيت خلال ثلاث عشرة سنة؟ هل تم تبليط شارع في العراق؟
هل تم بناء مدرسة؟ هل وضعتم حجرا على حجر؟ هل هناك كهرباء في بيوت الناس؟ هل هناك مياه صالحة للشرب، كما كان الأمر على مدى قرون؟
أربعون بالمئة من أطفال العراق لم يعودوا يذهبون إلى المدارس. أرقى مناطق لندن، وغيرها من مدن أوروبا، وأغلاها أصبحت مملوكة لكم، ولأبنائكم. عاد العراق إلى زمن البويهيين ودول الخرفان السوداء والبيضاء، لا حكومة، لا قضاء، لا أمن، لا استقرار.
أين هو العراق؟ الملا مسعود البارزاني يؤسس إمارة في الشمال. داعش تؤسس إمارة في الموصل. ديالى مقسمة بين الأكراد وعشر ميليشيات طائفية.
أطراف بغداد في الليل تحت حكم داعش، وفي النهار تحت حكم الميليشيات. وفي بغداد تحكم المافيات، والعصابات الإجرامية.
بغداد تمزقها التفجيرات الإرهابية. بغداد الناس فيها يعيشون الرعب مما يقال عن احتمال انهيار سد الموصل لأن ارتفاع المياه عند وصولها إلى بغداد سيبلغ أربعة أمتار. بغداد يعيش أهلها الرعب لأن الحكومة لن تكون بعد شهرين قادرة على دفع الرواتب.
الدولة العراقية ما تزال، والحمد لله، موجودة على الورق، ولكن ليس بفضلكم، بل بفضل إيران، فلولا حسابات المواجهة مع إيران فإن السعودية ستحتل بغداد غدا، وفي غضون ثلاث ساعات.
نعم، ببضع مئات من مقاتلي داعش سيتمكنون من الاستيلاء على بغداد، بلا مقاومة من أحد. كيف لا، وكل وزير منكم، وكل نائب في سقيفة بريمر، وكل رئيس ميليشيا، وكل زعيم حزب، وكتلة، ليس غير لص متهيأ للفرار لأن أمواله موجودة في البنوك خارج العراق؟
وما يزال صاحبي “الأسود” يتكلم عن السقيفة. ولك يا أخي، أهل السقيفة زالوا، راحوا، ذهبوا، انقرضوا. الآن نحن الآن في ظل حكم أحزاب تدعي أنها أنصار أهل البيت.
أسأله سؤالا عرضيا: لماذا حوّل أنصار أهل البيت في إيران بلدهم إلى دولة عظمى، يسودها الأمن والاستقرار، بينما هؤلاء اللصوص حولوا العراق إلى محرقة لشعبه؟
لأنهم من طينة سيئة، وليس لهم انتماء، لا إلى وطن، ولا إلى قومية، ولا إلى أهل البيت، ولا إلى شيء غير المال الحرام. إنهم لصوص محترفون.
صديقي الأسود لا يستسلم للمنطق، ويصرخ في وجهي “أنت لا تفهم التاريخ، فلولا السقيفة لما تمكن خالد بن الوليد من سبي أرملة مالك بن نويرة واغتصابها”.
أيها التاريخ، يا لك من قوة ساحقة، كأنك جرم كوني جبار ندور حوله، ولا أمل لنا في الإفلات منه، وكل دورة تستغرق قرنا نعود بعده لنكون حيث كنا، وبعد قرن سنكون حيث نحن الآن. أيها التاريخ اعتقنا، أفلتنا من قبضتك، وعسى أن تبتلعنا بعد ذلك أعماق الكون المظلمة، فذلك خير من العبودية لك.
وأنتِ .. أيتها الملاك الطاهرة .. يا عبير قاسم حمزة (الجنابي)، انهضي من رمادك، وقولي لصاحبي الأسود ولسادة قريش متى اغتصبك جندي أمريكي جبان، وقولي كيف قتلك بعد ذلك، ثم أحرق جسدك الطاهر.
اصرخي في وجوههم أن ذلك لم يحصل في زمن السقيفة، ولكن بعد سقوط السقيفة، واعتلاء أنصار أهل البيت الحكم في العراق عام 2003.
سليهم يا عبير لماذا تحرمين أنت من القدسية التي تعطى لأرملة مالك بن نويرة؟ وأنت كنت طفلة، وعراقية، ولا تفهمين شيئا مما يدور في بلدك الذي غزاه مغول العصر.
سليهم من الذي جلب الجندي الأمريكي إلى العراق ليغتصبك، ويقتلك، ويحرق جسدك الطاهر؟ سليهم لماذا لا يكرهون الجندي الأمريكي الذي فعل بك ذلك بقدر ما يكرهون خالد بن الوليد وهو لم يبق منه حتى ترابه؟ لماذا لا أحد منهم يفكر بالانتقام لك كما ينتقمون لامرأة مالك بن نويرة؟
أنا أدين كل من يغتصب، ويعتدي، ويقتل، ولكن أدين أيضا من يميز بين ضحية وضحية. ليست أية إنسانة اغتصبت على وجه الأرض أقل قدسية من امرأة مالك بن نويرة، وما يستحقه أي مغتصب من العقاب ليس أقل مما يستحقه من اغتصب امرأة بن نويرة. والمغتصبة الأولى بتعاطفنا هي التي تتعرض للاغتصاب تحت أعيننا. وأكثر من نستطيع أن نعاقبه على الاغتصاب هو الذي بيد العدالة.
أسألكم: هل تحدث أي من سادة قريش الجدد الذين يحكمون العراق من ثلاث عشرة سنة عن عبير قاسم ةحمزة، ولو مرة واحدة؟ وعبير واحدة من آلاف العراقيات اللواتي اغتصبهن جنود الاحتلال الذين ساعدوا هؤلاء على إنهاء ألف وثلاثمئة وسبعين سنة من حكم السقيفة.
لماذا نطمر الجريمة التي ارتكبت بحق الطفلة العراقية عبير قاسم حمزة الجنابي على أيدي الأمريكيين، ولا نكف عن العويل على اغتصاب امرأة مالك بن نويرة قبل أربعة عشر قرنا؟
الجواب هو أنكم لستم ضد الاغتصاب، بل تريدون فقط استخدام التاريخ لأغراض فاسدة، بدليل أن وزير العدل في إحدى حكومات بريمر اقترح على سقيفة بريمر خفض سن زواج الأنثى إلى تسع سنوات، أي تشريع اغتصاب الأطفال. فكفى!
يا صاحب السقيفة القديمة، لماذا لا يقوم سادة قريش الجدد في سقيفة بول بريمر بإنجاز حضاري رمزي على خطى صدام حسين، وهم لا يقلون عنه في مساوئه، مثلا يسقطوا ألقابهم عن أسمائهم، ويحملوا أسماء آبائهم؟
أم أنهم يريدون بألقابهم إخفاء عدم انتمائهم إلى العراق؟