الانشقاق الكبير في جمهور الارهاب!
اضحوي جفال محمد*
لعشرين عاماً والجمهور السنّي (الطائفي) يرسم لنفسه صورة مبسطة وشديدة الوضوح، وهي اننا نواجه عدواً واحداً لا لبس فيه، سواءً سميناه ايران او الشيعة او الحكومة العراقية او المقاومين لاسرائيل، فكلها مسميات لشيء واحد في نظر الارهاب وجمهوره، لذلك كانت أجمل ساعات حياتهم عندما تحقق اسرائيل انتصاراً. وما كانوا يتوقفون عند الخلافات الداخلية بين فصيلين ارهابيين حتى لو بلغت درجة الاحتراب وسفك الدماء، فتلك مشاكل عائلية لا يجب الاهتمام بها.
وكنت أعتقد أن الناس الذين لم يتلطخوا في حقبة داعش، وخرجوا من تلك العاصفة بسمعة نظيفة، كنت اعتقد أنهم سعداء بالخروج سالمين وأنهم سيبنون على هذا الموقف الذي يمثل تزكية وطنية وأخلاقية، وتبيّن أن اعتقادي في غير محله وأني أعيش وهماً.. فقد اكتشفت بالدليل الملموس أن كثيراً منهم نادمون على تقاعسهم عن نصرة الارهاب، وربما يشعرون بالذنب لأنهم بتقاعسهم ساهموا في انهياره، فأصبحوا ينتظرون الفرصة للتكفير عن ذنوبهم وفعل ما لم يفعلوه في المرة الاولى. لقد فوجئت بحجم التأييد للنصرة في مناطقنا!! وكثير من الناس ليسوا الا خلايا نائمة تنتظر الوقت المناسب لتكشر عن أنيابها.
وجلسوا يترقبون بفارغ الصبر عبور (المجاهدين) من الحدود الغربية ليكملوا المشوار. أنا هنا لا اسطر توقعات وتحليلات وانما انقل ما يتداولونه في مجالسهم بكل صراحة واعتزاز. واعترف بأن القضية عندهم قضية مبدأ لا تكتيكات.. فالرجل الذي لديه خمسة أبناء موزعون بين الحشد والشرطة ويعيش منعّماً يبني القصور ويقتني السيارات ويحصد التعويضات من بغداد على خرائب الطين.. ويتمنى علناً قدوم الارهاب.. وهو مستعد وبسرور أن يتخلى عن جميع امتيازاته ويهرب مع اولاده خارج (الاقليم السني) ولو الى مخيم تقف فيه النساء طابوراً على المرحاض تحت أعين الرجال.. هذا الرجل، وأمثاله لا حصر لهم، لا يكون الا صاحب مبدأ.
أما المفاجأة التي خرقت كل الحسابات وخلطت جميع الاوراق فهي أن المجاهدين لم يعبروا بالتكبيرات من الشامية الى الانبار والموصل وانما عبروا بطائرة من دمشق الى بغداد ليعاهدوا الحكومة (الرافضية) على محاربة داعش يداً بيد. أعلم أن الحدث أكبر من طاقتهم على استيعابه، وأعلم أنهم الآن دائخون. فالذي فعله الجولاني أنه أخرج زغلهم. والزغل هو بذور النباتات الضارة في الحقل، تسقى حتى تنبت وتخرج رؤوسها فيقوم الفلاح بحرث الحقل لتموت ويزرع محصوله دون شوائب. الجولاني بشرهم بأنه آتٍ لتحقيق الاهداف الطائفية التي يحلمون بها، فلما أخرجوا رؤوسهم أرسل وزيره الى بغداد لبناء استراتيجية مشتركة ضد الارهاب، وكأنه بذلك فلح الارض وقضى على الزغل.
القوم ما يزالون دائخين، وبعد الدوخة سيكابر بعضهم ويجتر المغالطات حول أن الارهاب ما يزال موحداً وكل الذي نراه (طباطيب صيف).. لكن ومع الوقت، وبعد ان تستعر المصادمات الدامية بين حكومة الجولاني والفصائل التي لم تنل حظاً من السلطة، سيجد كل فرد في هذا الجمهور نفسه او قلبه مجبراً على الاختيار بين الوجهتين.. وهو اختيار في غاية الصعوبة.. فأن يبدأ بانتقاد حكومة سوريا بعد كل المدح والحب الذي أزجاه لها لهو النكال بعينه. أما أن يواصل البيعة لها ويتنكر للخط الداعشي وما يمثل فذاك تخلٍ عن المبدأ. والمشكلة مشكلتهم لا مشكلتنا، وهي مسألة وقت في كل الاحوال.
ملاحظة: كلمة (الرافضية) في المنشور ليست من بنات افكاري وانما هي المصطلح الموحد للنصرة وداعش في وصف الحكومة العراقية.
( اضحوي _ 2087 )
2025-03-17