كلمة الأستاذ معن بشور في تأبين رسول الوفاء رسول الجشي
في نادي العروبة في البحرين
الأخوات والأخوة، الحضور الكريم
الأخوات والأخوة رئيس وأعضاء نادي العروبة
الأعزاء جداً عائلة الأخ الحبيب أبو غسان، رسول الجشي
في جلسة حميمية مع ابي غسان على هامش احدى دورات المؤتمر القومي العربي، الذي كان رسول الجشي من مؤسسيه عام 1990، وأميناً عاماً لشؤون الخليج فيه ما بين عامي 2000-2003 سألت الأخ الكبير، ما الذي دفعك إلى اختيار مهنة الصيدلة وأنت المهتم منذ فتوتك بقضايا شعبك وأمتك، ضحك أبو غسان وقال: لقد كنت أقرأ سير حكماء العرب والعالم فوجدت ان الكثير منهم، بل أبرزهم، كان مشهوراً بصناعة الادوية من الأعشاب (ربما اكتسب لقب حكيم لهذا السبب) وانتبهت إلى علاقة ما بين ” خلطة ” هؤلاء الصيادلة القدماء الطبية وبين خلطات فكرية وسياسية نحتاجها تلك الأيام..
وأضاف الأخ رسول لقد كنت يومها طالباً في المرحلة الثانوية، ولما انتقلت إلى الجامعة الأميركية في بيروت في بداية خمسينات القرن الماضي أخترت كلية الصيدلة لأعبر منها إلى حياتي العملية، خصوصاً انني اكتشفت ان الامة وكانت تعيش أجواء نكبة فلسطين تعاني من أمراض كثيرة، ووجدت اني أمام الأفكار المطروحة آنذاك، ومنها القومي والإسلامي واليساري والليبرالي، وأن ما تحتاجه امتنا هو “خلطة” بين تلك الأفكار والعقائد فتأخذ من كل فكرة نحتاجها وتصنع منها خلطة فيها ايمان المسلم وعروبة القومي ووحدته، والعدالة الاجتماعية التي يسعى اليساري الى تحقيقها، والحياة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان التي يناضل الليبرالي الوطني في سبيلها.
يضيف أبو غسان، كانت خياراتي، وأنا الصيدلي المهنة، عبارة عن خلطة بين العروبة والإسلام، بين الحرية والعدالة، بين الديمقراطية وحقوق الانسان، وسعيت في حياتي المهنية، كما السياسة، كما الفكرية إلى النضال من أجلها، فوجدت في المشروع النهضوي العربي الذي اطلقه مركز دراسات الوحدة العربية (في أوائل هذا القرن الحادي والعشرين) الذي كان لي شرف عضوية مجلس أمنائه، وتبناه المؤتمر القومي العربي الذي كان لي شرف المشاركة في تأسيسه، رفضاً لأي مقايضة بين هدف من تلك الأهداف لصالح هدف آخر، فلا النضال من أجل الوحدة يجري على حساب الحرية، ولا النضال من أجل الديمقراطية يتم على حساب الاستقلال الوطني، ولا النضال من اجل الاستقلال الوطني يقوم على حساب العدالة الاجتماعية.
“خلطة” صيدلي العروبة والإسلام التي عمل من أجلها أبو غسان، طيلة حياته لمناضل صلب، وسياسي جامع، وحكيم مميّز، ما زالت هي الخلطة الصالحة لمعالجة كل أمراضنا من تجزئة إلى استعمار إلى استغلال إلى فساد إلى احتكار إلى استبداد، بل إلى مشروع صهيوني – استعماري لم يكتف بما يفعله في غزة وعموم فلسطين، وفي جنوب لبنان وعلى امتداد الامة، بل يسعى لتوسيعه ليشمل الامة كلها من المحيط إلى الخليج.
من هنا جمعتنا في أبي غسان تجربة المؤتمر القومي العربي على مدى سنوات، وكان فيها أبو غسان رمزاً للدماثة في الخلق، وللحكمة في التدير، وللصواب في الرأي، فكان صورة المناضل المثقف الذي يدرك عمق العلاقة بين ما هو وطني وبين ما هو قومي، وبين ما هو إسلامي وبين ما هو اشتراكي وبين ما هو ليبرالي، فكنت تجده في الديمقراطية ليبرالياً دون تنازل عن الثوابت الوطنية، وكنت تجده في العروبة قومياً مدركاً أن الإسلام هو روح العروبة، وكنت تجده في الاشتراكية يسارياً مدركاً أن العدالة الاجتماعية مطلب ينبغي تحقيقه عبر نضال شعبي.
ومن هنا كان أبي غسان مدرسة أكثر مما كان مناضلاً، وكان مرجعاً أكثر مما كان سياسياً وزعيماً، ولذلك احتل تلك المكانة التي احتلها بين أهله وبين أمثاله على مستوى الوطن العربي، وكانت الجلسات معه ممتعة، ممتعة بكلامه، وممتعة بصمته، لأنه كان يجيد الكلام حين يجب الكلام، وكان يجيد الصمت حين يجب الصمت، لذلك نترجم على أبي غسان اليوم، أنه قد لاقى وجه ربه في زمن تنتصر فيه أمّته، تنتصر في غزّة وفلسطين، تنتصر في جنوب لبنان، وها هي المشاهد التي تأتي من فلسطين، من غزّة، من رام الله، باستقبال الأسرى، ومن لبنان بمنع العدو من التقدم كيلومترات قليلة في جنوب لبنان، تؤكّد أن خيارات أبي غسان لم تكن بعيدة عن الواقع، بل كانت واقعية جداً، لأنها كانت ملتزمة بإيمانه بربه وشعبه وبقدرات أمته على الانتصار.
ونقول لك يا أبا غسان ولأمثالك من كبار المناضلين والمفكرين في البحرين وعلى مستوى الأمة، بأننا سنبقى حراساً للمشروع الذي أمنتم به ونربي أجيالنا القادمة عليه، حتى نحقق لامتنا كل ما تتمناه.
رحم الله أبي غسان، ورحم الله أمثال أبي غسان، الذين بهم تنتصر الأمّة، وعهداً لهم أننا سنبقى أوفياء للمبادئ التي ناضلوا من أجلها والتي رحلوا وهم متمسكون بها.
9/2/2025