الوضع الداخلي السوري!
اضحوي جفال محمد*
عام 2016 جلس مجموعة من اهل الانبار النازحين الى بغداد يتحدثون: تمنى احدهم ان يتم تحرير هيت فرد عليه آخر مصححاً بأن هيت محررة وانما نتمنى تحرير حديثة، وتجادلا واصبح النقاش صراخاً كلٌ يقسم بأن تلك محررة وتلك هي التي تحتاج التحرير، حتى انتبه احد المستمعين وقال: لستما مختلفَين في وضع المدينتين وانما في مفهوم التحرير، فالاول يقصد بالتحرير دخول الحشد والجيش الى المدينة وعلى هذا الاساس يتمنى تحرير هيت، والثاني يقصد بالتحرير دخول داعش الى المدينة وعلى هذا الاساس يتمنى تحرير حديثة. تلك الحالة تشبه المتحدثين الان عن وجوب الانتقال السياسي في سوريا وفقاً لقرار مجلس الامن رقم 2254. لا تجد خلافاً بين الطرفين في نصوص التصريحات الداعية لانتقال سلس للسلطة الا اذا تمعنت بمقاصد كل طرف: النصرة تفهم النص بأنه نقل السلطة من نظام الاسد اليها وقد تحقق بفضل الله وانجز القرار. بينما يرى الغربيون واتباعهم ان الانتقال لم يتم بعد لأن المقصود تسليم السلطة لممثلين من الشعب السوري بمقاييس غربية. لذلك يتهرب الجولاني عن مواجهة الحقيقة وتسمية الاشياء بأسمائها.
ارتكب الجولاني ثلاثة اخطاء تراكمت فوق بعضها مثل طبقات البناء بحيث لا يمكن التراجع عنها لأنه ينسف البناء برمته: الاول وهو الخطأ الذي تقع فيه جميع المعارضات عندما يهب الامريكان لدعمها.. تجهل او تتجاهل ان الامريكي يدعمها لمصلحته لا حبّاً بها، ويترتب على هذا الجهل او التجاهل ان الشروط تُفرض من طرف واحد وليس بصورة متقابلة. فالمنطق المعتمد هو كيف نشترط شروطاً على متبرع جاء يساعدنا!. فأُمليت شروط امريكية اسرائيلية على النصرة دون اي التزامات مقابلة. ولهذا لم تصدر من النصرة حتى ادانة عابرة لقيام اسرائيل بتدمير كامل قدرات الدولة التسليحية.. اكثر من ذلك لم يقترب مقاتلو النصرة من مخازن الاسلحة لعلمهم المسبق بأنها ستقصف، والمعتاد سابقاً انهم يهرعون الى كل ثكنة تقع بأيديهم وينهبونها. فامتنعوا هذه المرة.
الخطأ الثاني ان النصرة لم تستثمر الفوز بالوصول الى كل المناطق السورية واهمها على الاطلاق شرق الفرات الغني بالموارد. اما الان وبعد ان (برد الصواب) كما يقال فالنصرة أعجز ما تكون عن القيام بالمهمة. واذا تطورت الاوضاع الى صراعات فصائل جهادية ستختفي هذه الاصوات الشعبية المطالبة باسترداد شرق الفرات ونبدأ نسمع أصواتاً معاكسة تريد لاقليم قسد الدوام لأنه سيتحول الى ملجأ آمن للفارين من التهديدات المختلفة داخل سيطرة الفصائل.. (على افتراض ان تركيا لن تدخل عسكرياً).
الخطأ الثالث ان الجولاني ينفق اوراقه السياسية دون مقابل غربي. بعد سيطرتها على دمشق يفترض ان لا تقدم النصرة اي تنازل من غير ثمن. هذه التنازلات المتلاحقة لن تؤخذ بنظر الاعتبار عندما يصار الى اتفاق مع الامريكان لأنها قُدمت بطريقة طوعية. مثل شخص باع سيارته ليشتري بيتاً وخلال المدة الفاصلة بين بيع السيارة وشراء البيت يصرف من ثمن السيارة، اي ان رصيده يتناقص وسيصبح قاصراً عن تحصيل بيت، بل اذا طال الوقت سينفد المبلغ على شكل صرفيات يومية.
حتى الان لم يقدم الغربيون لسوريا الجديدة شعرة واحدة، وبالمقابل حصلوا على تعهدات بعدم معاداة اسرائيل وبتسليم الاسلحة الكيمياوية وبعدم اعطاء دور لايران وبعدم تقييد حريات النساء وباجراء انتخابات، وقد يتبين انهم تعهدوا بعدم مهاجمة الاكراد.. فماذا بقي في الجعبة ليقدموه ثمناً لرفع العقوبات وبناء البلد وتجاوز حقبة الحرب الاهلية؟ الا اذا كانوا يتوقعون تنازلات غربية لهم دون مقابل على غرار تنازلاتهم!.
قد يقول قائل ان الانتخابات والحريات التي وعد بها الجولاني ليست تنازلات للغرب وانما حقوق طبيعية للشعب السوري.. هذا المنطق لا يصلح في الحديث عن حركات اصولية تعتبر الانتخابات بدعةً كافية لتكفير العاملين بها. ولسوف ترون انعكاس ذلك على مسار هذه الحركات.
( اضحوي _ 1988 )
2024-12-24