درس مجاني في السياسة!
اضحوي جفال محمد*
يسعى المهتمون بالسياسة الى تطوير فهمهم لها عن طريق قراءة الكتب ومتابعة الاخبار. غير ان المتابعة وحدها تجعل الحصيلة مقصورة على النتائج دون تقديم ادراك علمي لكيفية حصول تلك النتائج. اما قراءة الكتب فمملة لعدم استنادها على امثلة من الواقع تثبت الفكرة في العقل. لذلك تبنى كليات الطب بجوار المستشفيات، وكليات الزراعة بين الحقول. ويستطيع المتابع العربي الان متابعة الوضع السوري ليعرف كيف يعمل السياسيون لتحقيق اهدافهم.
قلنا ان المتابعة وحدها لا تكفي، اذن فلنعززها بعنصر اضافي يحكم المسار، وهو اهداف الاطراف المعنية. فعلى ضوء الاهداف المفترضة نستطيع القول ان هذا الطرف نجح وذاك الطرف فشل. وحسب اعتقادي ان اهداف المعنيين بسوريا ليست اسراراً او طلاسم وانما معروفة للجميع وان بشكل تقريبي: الغربيون يريدون نظاماً (ديمقراطياً) لا تحتكر فيه السلطة جهة واحدة، لا يشكل خطراً على اسرائيل ويقبل تفاهمات معها تنطوي على تنازلات جغرافية. وتركيا تريد نظاماً يقضي على التطلعات القومية للاكراد ويفتح الابواب امام الشركات التركية لاعادة الاعمار، والبضائع التركية للاستهلاك. والصين تريد من سوريا ان تكون الحلقة الختامية من مشروع الحزام والطريق الى اوربا. اما العرب فإن السعودية والامارات مكملتان للمشروع الغربي، وقطر مكملة للمشروع التركي، ويفترض ان يكون للعراق مشروعه المستقل لجملة اعتبارات ترشح البلدين لتكامل واسع النطاق. نفترض افتراضاً ان يتحرك العراق بهذا الاتجاه ونشك بقدرة نظامنا السياسي على التحرك بإرادة مستقلة. لقد كانت العقوبات الامريكية على سوريا تمنع السلطات العراقية من الانفتاح، اما وان تلك العقوبات ستُرفع او تُخرق فإن للعراق مصلحة وطنية في مد او ترميم انابيب لتصدير النفط عبر المتوسط. وللعراق مصلحة وطنية في انشاء طريق بري وسكك حديد عبر سوريا على غرار طريق التنمية مع تركيا، والمشتركات بين البلدين اكثر من ان تحصى.
عدا العراق فان الاطراف الاخرى التي ذكرناها ستعمل دون ريب لتحقيق اهدافها، اما الذي ذكرناه عن العراق فأقرب الى التمنيات منه الى برنامج سياسي.
اما السوريون كشعب فإنهم منقسمون الان الى اتجاهات كثيرة سوف تتبلور قبل الانتخابات الى خطين اثنين: الخط الديني الذي يمثله الحكام الحاليون والخط المدني الذي يملك الاغلبية ولا يملك القوة.
والذي يريد الاستفادة من هذا الدرس لا يحتاج سوى التركيز على الوسائل التي يتّبعها او يبتدعها كل طرف لتحقيق غاياته. وطبعاً ينجح بعض ويفشل بعض وسيقول لكم الاعلام لماذا نجح الناجحون وفشل الفاشلون.
( اضحوي _ 1984 )
2024-12-20